الدين النصيحة

الدين النصيحة 1 نصيحتي إلى الشيخ الفاضل محمد عبد المقصود حفظه الله

المزيد

فقه المراد ب ( الوجه ) في آيات القرآن الكريم

فقه المراد ب ( الوجه ) في آيات القرآن الكريم : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذا مبحث وجيز عن فقه المراد ب ( الوجه ) في القرآن الكريم ، أقول وبالله التوفيق :

[ 1 ] تمهيد : يتناول مجاز الوجه في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ، قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقد اتفق المفسرون على أن المعنى المقصود من الآية هو  أن يؤدي الشهود الشهادة كما حملوها على حقيقتها من غير تغيير لها ولا تحريف ولا خيانة ،  قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء  : 125] ، وقوله تعالى { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام  : 79] ، قلت : نفهم من الآيات الكريمات السابقات أن توجه الوجه إلى الله تعالى هو أول المأمور به ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، قال الطبري : " وأما قوله من   أسلم وجهه لله   فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره   وأصل الإسلام الاستسلام لأنه من استسلمت لأمره وهو الخضوع لأمره   وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه   كما حدثني المثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع ( بلى من أسلم وجهه لله )  يقول : أخلص لله   وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له .. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه ( بلى من أسلم وجهه لله )  إنما يعني بلى من أسلم لله بدنه فخضع له بالطاعة جسده وهو محسن في إسلامه له جسده فله أجره عند ربه   فاكتفى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر الوجه " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 493] أهـ ، وقال ابن كثير : " أسلم وجهه لله   وهو محسن أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن الآية وقال أبو العالية والربيع :بلى من   أسلم وجهه لله   يقول من أخلص لله وقال سعيد بن جبير بلى من أسلم أخلص وجهه قال دينه " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 155]أهـ ، وقال السيوطي " بلى من أسلم وجهه لله  يقول  أخلص لله  وأخرج ابن جرير عن مجاهد ( من أسلم وجهه لله )   قال  أخلص دينه " [ الدر المنثور ج: 1 ص: 263] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " أسلم وجهه لله   أخلص له نفسه أو قصده " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال القرطبي : " أسلم وجهه لله   معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة " [تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 384] أهـ ، وقال ابن الجوزي " قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   قال ابن عباس خير الله بين الأديان بهذه الآية وأسلم بمعنى أخلص وفي الوجه قولان   أحدهما أنه الدين والثاني العمل "[زاد المسير ج: 2 ص: 211] أهـ ، وقال الثعالبي " أسلم وجهه لله   أي أخلص مقصده وتوجهه " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص:417] أهـ ، وقال أبو السعود " ومن أحسن دينا ممن   أسلم وجهه لله   أي أخلص نفسه له تعالى لا يعرف له ربا سواه " [تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 236] أهـ ، وقال الواحدي " أسلم وجهه لله   انقاد لأمره " [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 125] أهـ ، وقال البغوي : " أسلم وجهه لله   أي أخلص دينه لله وقبل أخلص عبادته لله وقيل خضع وتواضع لله وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 106] أهـ ، وقال الشوكاني " أسلم وجهه لله   ومعنى أسلم استسلم وقيل أخلص وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الأنسان ولأنه موضع الحواس الظاهرة وفيه يظهر العز والذل وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء وأن المعنى هنا الوجه وغيره وقيل المراد بالوجه هنا المقصد أي من أخلص مقصده " [فتح القدير ج: 1 ص: 130] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " (من أسلم وجهه لله )  أي انقاد وجهه لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 24] أهـ ، وقال النسفي "(من أسلم وجهه لله ) من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره " [ تفسير النسفي ج: 1 ص: 65] أهـ   وقال : "  أسلم وجهه لله   أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 250] أهـ  ، وقال الألوسي : " من   أسلم وجهه لله   أي إنقاد لما قضى الله تعالى وقدر او أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له " [ روح المعاني ج: 1 ص: 360] أهـ  ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك بأحسن تفصيل ،  قوله تعالى :( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم وسلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها بعد ما كان كل ذلك  ليوسف عليه السلام . فكان ذكر الوجه مجازاً لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه ، قال أبو السعود في تفسيره : " أي يخلص لكم وجه أبيكم فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحد فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم " [تفسير أبي السعود ج: 4 ص: 256 ] أهـ ، وعلى هذا المعنى اتفق قول المفسرين ،  قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة  ، 

[ 2 ] الآيات التي ذكر فيها الوجه مضافاً إلى الله تعالى وبيان المعنى الذي سيقت لأجله  :

( أ ) قوله تعالى { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة  : 115] ، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها : ( أ ) فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة والجهة التي وجههم إليها ومن معاني الوجه في اللغة القبلة لأننا نتوجه إليها بوجوهنا ، ( ب ) فثم الله تبارك وتعالى  يريد علمه معكم أينما كنتم ، فعبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) وقوله تعالى (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام ) ، ( ت ) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى كقوله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله) وقوله تعالى (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي لأجل رضا الله وابتغاء مرضاته ، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه ، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون ، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح ، ثم هؤلاء متناقضون لأنهم يثبتون الوجه على سبيل الجزء ، ثم يثبتون الفوقية الحسية على سبيل المسافة ويثبتون الاستواء على سبيل الحد والحيز والجهة ، والآية تهد عليهم مذهبهم في الجهة هدا ، وذلك لأن الآية تفيد نفي الجهة الواحدة إذ أينما تولوا وفي أي جهة تتوجهوا فثم وجه الله ، وإثبات الجهة الواحدة هو مذهبهم الذي بدعوا عموم علماء الأمة لأجله ، وعندما تنبه بعضهم لهذا قال : هذه الآية ليست من آيات الصفات وغيرها من آيات الصفات فتناقض وتلاعب بدينه وفرق بين الآيات بهواه نعوذ بالله من الهوى والزيغ ، وفي الحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن أحدكم إذا صلى فإن الله قبل وجهه ) وفي رواية أنس ( إن ربه بينه وبين القبلة ) وهذا الحديث دافع لمذهب الجهة فإن جهة فوق وقدام متضادان لا يجتمعان البتة فإن حملها على ظاهرهما محال على الله تعالى لا يجتمعان عقلا وعادة وشرعا وإن أول هذا دون ذلك فتحكم وإن أولهما فأهلا بالوفاق ،  تأويل الصحابة والتابعين للوجه في الآية : قال السيوطي في الدر المنثور : " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا  وأخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في سننه عن مجاهد   (فثم وجه الله)   قال : قبلة الله فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها " [الدر المنثور ج: 1 ص: 267] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " واختلف في تأويل قوله   فثم وجه الله   فقال بعضهم تأويل ذلك فثم قبلة الله يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه عن مجاهد قال حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها   وقال آخرون معنى قول الله عز وجل   فثم وجه الله   فثم الله تبارك وتعالى   وقال آخرون معنى قوله   فثم وجه الله   فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم   وقال آخرون عنى بالوجه ذا الوجه وقال قائلوا هذه المقالة وجه الله صفة له " [ تفسير الطبري ج: 1 ص: 506] أهـ ، وقال البغوي في تفسيره : " فأينما تولوا   فثم وجه الله   يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي هناك وجه الله قال الكلبي فثم الله يعلم ويرى وجه صلة كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا هو وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان فثم قبلة الله والوجه والوجهة والجهة القبلة وقيل رضا الله تعالى " [تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال بن كثير في تفسيره : "  وقال عكرمة عن ابن عباس فأينما تولوا   فثم وجه الله   قال قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا وقال مجاهد فأينما تولوا فثم وجه الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة " [تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 159] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسيره : "  قوله تعالى فثم وجه الله فيه قولان أحدهما فثم الله يريد علمه معكم اين كنتم وهو قول ابن عباس و مقاتل والثاني فثم قبلة الله قاله عكرمة و مجاهد "[ زاد المسير ج: 1 ص: 134-135] أهـ  ، [ إتفاق أهل العلم على تأويل الوجه في الآية ] :  قال القرطبي في تفسيره : " اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله في القرآن والسنة فقال الحذاق  ذلك راجع إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذ كان الوجه أظهر لأعضاء في الشاهد واجلها قدرا وقال ابن فورك  قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا كما يقول القائل  رأيت علم فلان اليوم ونظرت إلى علمه وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم كذلك إذا ذكر الوجه هنا والمراد من له الوجه أي الوجود وعلى هذا يتأول قوله تعالى  إنما نطعمكم لوجه الله لأن المراد به  لله الذي له الوجه وكذلك قوله  إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى أي الذي له الوجه قال ابن عباس :الوجه عبارة عنه عز وجل كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال بعض الأئمة  تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى قال ابن عطية  وضعف أبو المعالي هذا القول وهو كذلك ضعيف وإنما المراد وجوده وقيل  المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة وقيل  الوجه القصد كما قال الشاعر  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقيل  المعنى فثم رضا الله وثوابه كما قال  إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضائه وطلب ثوابه " [ تفسير القرطبي ج: 2 ص: 83] أهـ ، وقال رحمه الله : " ويبقى وجه ربك أي ويبقى وجه الله فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه قال الشاعر :  ( قضى على خلقه المنايا *  فكل شيء سواه فاني ) ، وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا  ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم وقال ابن عباس  الوجه عبارة عنه كما قال  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال أبو المعالي  وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى وهو الذي ارتضاه شيخنا ومن الدليل على ذلك قوله تعالى  ويبقى وجه ربك والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى وقد مضى في البقرة القول في هذا عند قوله تعالى  فأينما تولوا   فثم وجه الله   وقد ذكرناه في الكتاب الأسني مستوفى قال القشيري  قام قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام والصحيح أن يقال  وجهه وجوده وذاته يقال  هذا وجه الأمر ووجه الصواب وعين الصواب "[ تفسير القرطبي ج: 17 ص: 165] أهـ  ،  وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : " {فثمّ وجه الله}، هذا جواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل: معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله تعالى حيث أمر باستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل. وقيل: الوجه هنا صلة، والمعنى فثم الله أي علمه وحكمه. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك}، {كل شيء هالك إلا وجهه} وقيل: المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال: ( أستغفر الله ذنباً لست محصيه  *  رب العباد إليه الوجه والعمل ) ، وقيل: يحتمل أن يراد بالوجه هنا: الجاه، كما يقال: فلان وجه القوم، أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس: أي جاه وشرف. والتقدير: فثمّ جلال الله وعظمته ، قاله أبو منصور في المقنع. وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أن يحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله تعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتماد على ما له محمل في لسان العرب ، إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك. والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ، فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها. ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً. وفي قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ردّ على من يقول: إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصص مكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره. " [تفسير البحر المحيط [ البقرة  : 115]] أهـ ، وقال السيوطي في الإتقان : " ومن ذلك الوجه وهو مؤول بالذات   وقال ابن اللبان في قوله ( يريدون وجهه ) (إنما نطعمكم لوجه الله ) ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) المراد إخلاص النية  وقال غيره في قوله   فثم وجه الله   أي الجهة التي أمر بالتوجه إليها " [الإتقان ج: 2 ص: 17] أهـ ، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن : "   ( فثم وجه الله ) معناه فثم رضوان الله وهو الوجه الذي أمرتم بالتوجه إليه كقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله يعني لرضوانه ولما أراده منا وقوله كل شيء هالك إلا وجهه يعني ما كان لرضاه وإرادته " [ أحكام القرآن 2 ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " فثم وجه الله   أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن   فثم وجه الله   المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزها عن الجهات " [ روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وجاء في التعاريف : " قال الراغب : أصل الوجه الجارحة المعروفة ولما كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ومبدئه   وجه الحق ما به الشيء حقا إذ لا حقيقة لشيء إلا به تعالى وهو المشار إليه بآية ( فأينما تولوا فثم وجه الله  ) وهو عين الحق المقيم لجميع الأشياء فمن رأى قيومية الحق للأشياء فهو الذي يرى وجه الحق في كل شيء  "[ التعاريف ج: 1 ص: 720] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " وحكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فأينما تولوا   فثم وجه الله   أن الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ويبقى وجه ربك إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والأشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ،   

( ب ) وقوله تعالى { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تعالى {  وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }‏[سورة الأنعام : 52 ] ، وقوله تعالى { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }[ سورة الكهف : 28 ] ، وقوله تعالى { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [سورة الروم : 39 ]  ، (( قلت )) : من تدبر ذكر الوجه في هذه الآيات (يريدون وجه الله ) و (تريدون وجه الله ) و (يريدون وجهه ) ، و (ابتغاء وجه ربهم ) و (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) و (إنما نطعمكم لوجه الله ) وجد أن المراد من سياق الآيات رضا الله تعالى ، وإليك نخبة من أقوال المفسرين في ذلك : قال القرطبي في تفسير قوله تعالى (يريدون وجهه ) : " يريدون وجهه   أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال البيضاوي: " (يريدون وجهه) رضا الله وطاعته " [تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 493] أهـ ، وقال أبو السعود: " وقوله تعالى   يريدون وجهه   حال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 139] أهـ ، وقال الواحدي: " يريدون وجهه   يطلبون ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 355]أهـ ، وقال البغوي : " يريدون وجهه   أي يريدون الله بطاعتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما يطلبون ثواب الله " [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 99] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه   أي يريدون الله لا يريدون به عرضا من الدنيا " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 159]أهـ ، وقال الشوكاني : " و   يريدون وجهه   في محل نصب على الحال والمعنى أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى أي يتوجهون  بذلك إليه لا إلى غيره "[ فتح القدير ج: 2 ص: 119] أهـ ، وقال رحمه الله : " ومعنى   يريدون وجهه   أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه " [فتح القدير ج: 3 ص: 281]أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى   يريدون وجهه   قال الزجاج أي يريدون الله فيشهد الله لهم بصحة النيات وأنهم مخلصون في ذلك " [زاد المسير ج: 3 ص: 47] أهـ ، وقال النسفي " ووسمهم بالإخلاص فى عبادتهم بقوله   يريدون وجهه   فالوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 324] أهـ وقال : " يريدون وجهه   رضا الله " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 12] أهـ  ،  وقال الألوسي : " ( يريدون وجهه ) ..قيل وهو المشهور إنه الذات أي مريدين ذاته تعالى ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها ..أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه ..وقيل  المراد به الجهة والطريق والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه بإرادته وهو الذي يقتضيه كلام الزجاج وقيل  إنه كناية عن المحبة وطلب الرضا لأن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة فلهذا جعل كناية عنها قاله الإمام وهو كما ترى   وجوز أيضا أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال  هذا وجه الرأي وهذا وجهه الدليل والمعنى يريدونه " [روح المعاني ج: 7 ص: 160] أهـ ، وقال : " يريدون وجهه   أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته " [ روح المعاني ج: 7 ص: 166] أهـ ، وقال الطبري في تفسير قوله تعالى (يريدون وجه الله ) : " وقوله ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   يقول تعالى ذكره إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك " [تفسير الطبري ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال البيضاوي : " يريدون وجه الله   ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 336]أهـ ، وقال أبو السعود " ذلك خير للذين   يريدون وجه الله   ذاته او جهته ويقصدون بمعروفهم إياه تعالى خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى " [تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 62] أهـ ، وقال البغوي: " (يريدون وجه الله ) يطلبون ثواب الله بما يعملون " [تفسير البغوي ج: 3 ص: 484] أهـ ، وقال ابن الجوزي:"( يريدون وجه الله ) أي يطلبون بأعمالهم ثواب الله " [زاد المسير ج: 6 ص: 303] أهـ  ،  وجاء في الجلالين : " (يريدون وجه الله ) أي ثوابه بما يعملون "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 536] أهـ ، وقال النسفي : " ( يريدون وجه الله )  أي ذاته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصا " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 275] أهـ ، وقال الألوسي : " يريدون وجه الله   أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصا أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة "[ روح المعاني ج: 21 ص: 45] أهـ ، وقال الجصاص : " وما آتيتم من زكاة   تريدون وجه الله   فأولئك هم المضعفون أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم تكن خالصة لله عارية من منٍ وأذى فليست بصدقة لأن إبطالها هو إحباط ثوابها فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة إلى الله تعالى فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 2 ص: 173] أهـ ، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) : " وجه ربه   الأعلى أي مرضاته وما يقرب منه " [ تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ ، وقال الطبري : " حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ولسوف يرضى يقول ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله " [ تفسير الطبري ج: 30 ص: 228] أهـ ، وقال الواحدي: " ( إلا ابتغاء   وجه ربه   الأعلى ) أي طلب ثواب الله " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1209] أهـ ، وقال ابن الجوزي: "(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) أي إلا طلبا لثواب ربه " [زاد المسير ج: 9 ص: 152] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)أي طلب ثواب الله " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 811] أهـ ، وقال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى ( إلا ابتغاء وجه الله ) " قوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله   قال الزجاج هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله أنه قد علم أن مرادهم ما عنده " [زاد المسير ج: 1 ص: 327] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين " وما تنفقون إلا   ابتغاء وجه الله   أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 60] أهـ ، وفيه أيضا : "  (إبتغاء وجه ربهم ) يعني إبتغاء رضا ربهم " [ الدر المنثور ج: 4 ص: 637] أهـ ، وقال النسفي : " إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 132]أهـ ، وقال القرطبي في تفسيره " (وجه ربه الأعلى) أي مرضاته وما يقرب منه " [تفسير القرطبي ج: 20 ص: 89] أهـ  ،  وقد أجمل القاضي بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل ما سبق بقوله : ( قوله تعالى ( يريدون وجهه) و ( ويبقى وجه ربك ) و ( كل شيء هالك إلا وجهه ) و (  يريدون وجه الله ) وما ورد فيه  ،   اعلم أنه أطلق الوجه في هذه الآيات والمراد به الذات المقدسة وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يقول أحدهم فعلت لوجهك أي لك ، وإنما كنى عن الذات بالوجه لأنه هو المرئي الظاهر من الإنسان غالبا وبه يتميز الإنسان عن غيره ولأن الرأس والوجه موضع الفهم والعقل والحس المقصود من الذات ولأن الوجه مخصوص بمزيد الحسن والجمال ويظهر عليه ما في القلب من رضي وغضب فأطلق على الذات مجازا ، وقد يعبر بالوجه عن الرضا وسبب الكناية به عنه أن الإنسان إذا رضي بالشيء ومال إليه أقبل بوجهه عليه وإذا كرهه أعرض عنه فكنى بالوجه عن الرضا ،  إذا أثبت ذلك تعين صرف الوجه إلى الذات في قوله ( ويبقى وجه ربك ) و (كل شيء هالك إلا وجهه ) ولا يجوز إرادة ظاهره حقيقة لوجوه : ( الأول ) : أن الموصوف بالبقاء عند فناء الخلق إنما الذات المقدسة لا مجرد الوجه لأنه لو أريد ذلك لزم منه هلاك ما سوى الوجه تعالى الله عن ذلك وتقدس، ( الوجه الثاني ) : قوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) لو أريد الوجه نفسه لزم وجوده في جوانب الأرض ويلزم حصول ذات واحدة في أماكن كثيرة متفرقة متباعدة وهو محال اتفاقا ويأتي إن شاء الله تعالى في قسم الحديث أبسط من هذا ، ( الوجه الثالث ) : أنه وصف الوجه بذي الجلال والإكرام والموصوف بذلك هو الله تعالى بدليل قوله ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام )   فإنه صفة للرب وبدليل ما ورد في الدعاء يا ذا الجلال والإكرام فدل في تلك الآية على أنه وصف للذات لا للوجه خاصة لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وقوله تعالى (  يريدون وجهه  ) و ( إنما نطعمكم لوجه الله  ) فالمراد بذلك والله أعلم تحصيل رضاه تعالى كما تقدم لأن الإرادة في قوله تعالى(يريدون وجهه) لا تتعلق بحصول نفس الذات بمجردها ولا نفس ظاهر الوجه بمجرده وإنما تتعلق بحصول مراد يحصل لهم دخوله في الوجود وذلك في الذات أو الوجه القديم الأزلي محال فدل على أن المراد حصول شيء منه وهو رضاه عنهم وعبر فيه بالوجه كما تقدم أن الراضي يقبل بوجه على من رضيه ، وقيل المراد بالوجه القصد ومنه قول الشاعر رب العباد إليه الوجه والعمل   ، وقيل في قوله تعالى( إنما نطعمكم لوجه الله  ) أي لرضاه كما تقدم أن المراد حصول رضاه ) [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 120-122] أهـ

( ت ) قوله تعالى { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، قلت : الآية تدعو إلى التوحيد وإخلاص الدعاء لله وتنهى عن الشرك ودعاء غير الله ، ومناسبة الآية أن تختم بأنه لا يبقى إلا العمل الصالح الخالص الذي أُريد به رضا الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فالمفهوم من سياق الآية أن المقصود بالوجه هو ما قصد به الله تعالى من التوحيد والعمل الصالح ، وعلى هذا التفسير تواترت أقوال العلماء والمفسرين وأهل اللسان العربي الفصيح  ،   جاء في لسان العرب : "  وقوله عز وجل  كل شيء   هالك إلا وجهه   قال الزجاج  أراد إلا إياه  " [لسان العرب ج: 13 ص: 555] أهـ ، وجاء في الدر المنثور : " وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما كل شيء   هالك إلا وجهه   إلا ما يريد به وجهه   وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه   وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن سفيان قال كل شيء   هالك إلا وجهه   قال  إلا ما أريد به وجهه من الاعمال الصالحة "[ الدر المنثور ج: 6 ص: 447] أهـ ، وقال الطبري : " واختلف في معنى قوله إلا وجهه فقال بعضهم معناه كل شيء هالك إلا هو   وقال آخرون معنى ذلك إلا ما أريد به وجهه " [ تفسير الطبري ج: 20 ص: 127] أهـ ، وقال رحمه الله : " لأنه كان ولا شيء موجود سواه وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها كما قال جل ثناؤه كل شيء   هالك إلا وجهه " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 215] أهـ ، وقال الواحدي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا إياه "[ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 827] أهـ ، وقال البغوي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   أي إلا هو " [ تفسير البغوي ج: 1 ص: 108] أهـ ، وقال رحمه الله : " (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي هو وقيل إلا ملكه قال أبو العالية إلا ما أريد به وجهه  "[ تفسير البغوي ج: 3 ص: 459] أهـ ، وقال القرطبي : " (كل شيء هالك إلا وجهه)   قال مجاهد معناه إلا هو وقال الصادق  دينه وقال أبو العالية وسفيان  أي إلا ما أريد به وجهه أي ما يقصد إليه بالقربة قال  أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل وقال محمد بن يزيد  حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى  كل شيء   هالك إلا وجهه   فقال  إلا جاهه كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 322] أهـ ، وقال ابن كثير : " (كل شيء هالك إلا وجهه)كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل كما قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " [ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 594] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله (كل شيء هالك إلا وجهه)   إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء   هالك إلا وجهه )  أي إلا إياه وقد ثبت في الصحيح [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد إلا كل شيء ما خلا الله باطل وقال مجاهد والثورى: في قوله كل شيء   هالك إلا وجهه   أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له " [تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال البيضاوي : " هالك إلا وجهه   إلا ذاته فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم له الحكم القضاء النافذ في الخلق " [تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 306] أهـ ، وقال الجصاص : " وقوله ( كل شيء هالك إلا وجهه)   يعني ما كان لرضاه وإرادته "[ أحكام القرآن للجصاص ج: 1 ص: 77] أهـ ، وقال رحمه الله : "كقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) يعني به ذاته " [ أحكام القرآن للجصاص ج: 3 ص: 362] أهـ  ،  وقال الشوكاني : " هالك إلا وجهه   أي إلا ذاته ..وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس :كل شيء   هالك إلا وجهه   قال إلا ما أريد به وجهه "[ فتح القدير ج: 4 ص: 189] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " قولان أحدهما إلا ما أريد به وجهه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الثوري والثاني إلا هو قاله الضحاك وأبو عبيدة " [زاد المسير ج: 6 ص: 252] أهـ ، وقال النسفي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات " [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 249] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين : " (كل شيء هالك إلا وجهه )  إلا إياه  " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 520] أهـ ، وقال الألوسي : " وقيل  الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى( كل شيء هالك إلا وجهه) " [روح المعاني ج: 1 ص: 365] أهـ ، وقال رحمه الله : " ..وبقوله سبحانه  كل شيء   هالك إلا وجهه   حيث استثنى من كل شيء الوجه وهو بمعنى الذات.. "[ روح المعاني ج: 7 ص: 117] أهـ ، وقال القاسمي : " ( كل شيء هالك إلا وجهه) أي إلا إياه ، والوجه يعبر عن الذات ، كما قال : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك)  " [ تفسير القاسمي [القصص :  88]] أهـ ، وقال الإمام الرازي رحمه الله : " {كل شيء هالك إلا وجهه}.. استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين الأول: قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني: قوله: {وإليه ترجعون} وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام ، والجواب: لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة. وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته، ومنهم من قال الوجه صلة، والمراد كل شيء هالك إلا هو، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون."[ تفسير الرازى [ القصص  : 88 ]] أهـ

( ث ) قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }  [ سورة الرحمن  : 26-27] ، قال القرطبي في تفسيره : ".. قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى ( ويبقى وجه ربك ) إنها عبارة عن الذات ، قيل العمل الذي يقصد به وجهه " [ تفسير القرطبي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال رحمه الله : " يريدون وجهه أي طاعته والإخلاص فيها أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره " [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 432] أهـ ، وقال رحمه الله : " وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال  ( ويبقى   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام ) أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه وإن الدارالآخرة لهي الحيوان أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها " [تفسير القرطبي ج: 13 ص: 362] أهـ ، وقال رحمه الله : " قوله تعالى  قال يا إبليس ما منعك أي صرفك وصدك أن تسجد أي عن أن تسجد لما خلقت بيدي أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم فذكر اليد هنا بمعنى هذا قال مجاهد : اليد هاهنا بمعنى التأكد والصلة مجازه لما خلقت أنا كقوله  ( ويبقى وجه ربك )  أي يبقى ربك " [تفسير القرطبي ج: 15 ص: 228 ] أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )فهو تعالى وحده الذي لا يموت والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 435] أهـ ، وقال رحمه الله : " وقوله كل شيء هالك إلا وجهه إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت كما قال تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا (كل شيء هالك إلا وجهه)  أي إلا إياه ..وقال مجاهد والثوري في قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له قال ابن جرير : ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر  ( أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل ) وهذا القول لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة للمطابقة للشريعة والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شئ " [ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 404] أهـ ، وقال الزركشي في البرهان : " حكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله ان الوجه صلة والمعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله ( ويبقى وجه ربك )  إنما نطعمكم لوجه الله كل شيء هلك إلا وجهة   قلت والاشبه حمله على أن المراد به الذات كما في قوله تعالى بلى من اسلم وجهة الله وهو أولى من دعوى الزيادة " [ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 278] أهـ ، وجاء في معاني القرآن : " ومعنى أسلمت وجهي لله أسلمت نفسي لله كما قال تعالى ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك " [معاني القرآن ج: 1 ص: 373] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في تفسيره : " ويبقى   وجه ربك   ذاته " [ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 276] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل " [ تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 180] أهـ ، وقال الشوكاني في تفسيره : " قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وتشريفا مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد قال مجاهد : اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازا كقوله ( ويبقى وجه ربك )   وقيل أراد باليد القدرة يقال مالي بهذا الأمر يد ومالي به يدان أي قدرة ومنه قول الشاعر: تحملت من ذلفاء ما ليس لي يد * ولا للجبال الراسيات يدان " [فتح القدير ج: 4 ص: 445] أهـ ، وقال رحمه الله :  ويبقي   وجه ربك   ذو الجلال والإكرام الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده وقد نقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا وقيل معنى ( يبقى وجه ربك ) تبقى حجته التي يتقرب بها إليه " [فتح القدير ج: 5 ص: 136] أهـ ، وقال بن الجوزي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام "[ زاد المسير ج: 8 ص: 114] أهـ ، وجاء في تفسير الجلالين:" ( ويبقى وجه ربك ) ذاته ذو الجلال العظمة والإكرام "[ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 710] أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : " ( يخل لكم وجه أبيكم يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه وجاز أن يراد بالوجه الذات كما قال ( ويبقى وجه ربك ) " [تفسير النسفي ج: 2 ص: 180] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " ( ويبقى وجه ربك )  أي ذاته عز وجل والمراد هو سبحانه وتعالى فالإضافة بيانية وحقيقة الوجه في الشاهد الجارحة واستعماله في الذات مجاز مرسل كاستعمال الأيدي في الأنفس وهو مجاز شائع وقيل  أصله الجهة واستعماله في الذات من باب الكناية " [روح المعاني ج: 27 ص: 108] أهـ ، وجاء في تفسير التحرير والتنوير: " ..والوجه يعبر عن الجملة والذات وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس ، واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه . وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري  على قواعد علم المعاني ، فزال الخفاء واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء " [التحرير والتنوير : ج 27ص253] أهـ ، وقال الرازي رحمه الله :  " ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) ..الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها.." [تفسير الرازى [ الرحمن : 27-28]] أهـ  ،  وقال ابن الجوزي رحمه الله : " قال الله تعالى " ويبقي وجه ربك ذي الجلال والإكرام " قال المفسرون : يبقي ربك ، وكذا قالوا في قوله " يريدون وجهه ". أي يريدونه ، وقال الضحاك و أبو عبيدة في قوله " كل شئ هالك إلا وجهه " أي إلا هو ، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة باسم زائد علي الذات ، قلت ( القائل ابن الجوزي رحمه الله )  : فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيات .....؟ وذلك يوجب التبغيض ، ولو كان كما قالوا :كان المعنى : أن ذاته تهلك إلا وجهه . وقال بن حامد : أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات الرأس . قلت : ولقد اقشعر بدني من جراءته علي ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس ." [ الباز الأشهب ] أهـ ، وخلاصة القول في الوجه في القرآن لمن تدبره أنه دلالة على ذات الله ورضاه وضرورة إخلاص العمل ابتغاء مرضاة الله ،

المزيد

الدين النصيحة 2 نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي الجزء الأول

الدين النصيحة

الدين النصيحة 2 نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي الجزء الأول

المزيد

قسم توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد قواعد التقديس التي تمنع من بدعة الحشو

المقال الدوري

قسم توحيد جناب الذات أهم أقسام التوحيد : قواعد التقديس التي تمنع من بدعة الحشو

[ ( القاعدة الأولى ) : الله خالق كل شيء ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار ] ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ غافر : 62 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ،

[ ( القاعدة الثانية ) : الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن ] ، عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان ، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ، وكذلك فإن له كمال الوجود المنزه من المكان  ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، 

[ ( القاعدة الثالثة ) : الله تعالى هو الواحد القهار ، قهر خلقه بالحد والمقدار ، وقهر خلقه بالكون في المكان وأن يجري عليه زمان ] ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  فالله عز وجل هو وحده سبحانه الواحد القهار لأنه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، مهما كبر حجم المخلوق أو عظم مقداره فإنه محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقوله تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، فإنه لما  كان قاهراً لجميع مخلوقاته ، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن الحد والمقدار ، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه ، فهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان ، وقاهر المكان الزمان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان ، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  } [ النساء : 126 ] ، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان ، وتحكمه قوانين الزمان ، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر ، يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار ، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه ، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان ، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا ، 

[ ( القاعدة الرابعة ) : الله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأبعاض والأجزاء والجوارح والأركان ] ،  الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، والتركيب مستحيل عليه سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف لا بالأحدية ولا بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، والله تعالى هو الأحد الصمد الغني الحي القيوم منزه عن الجوارح والأجزاء ، إذ هو واحد لا شريك له ، أحد لا مثيل له ، لم يُخالف في ذلك من المسلمين من الفرق الثلاث وسبعين فرقة سوى المجسمة ، فقالوا بالأجزاء والأبعاض والجوارح ، تنزه الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، ( أحدية الذات ) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات ،  لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها : { ليس كمثله شيء } ، و { ولم يكن له كفوا أحد } ، أما الوجه في قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } [ البقرة : 115 ] والعين في قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] واليد في قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ، فلم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله - حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه - ، وإنما صفات وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، واسم الله تعالى [ الصمد ] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، و { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه ، وجميع خلقه إليه محتاج ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، ومن فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، وخلاصة القول أن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } ، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول وصف الله تعالى بالأحدية ( الله أحد ) والصمدية ( الله الصمد ) وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث ( لم يلد ) وعن الحدوث ( ولم يولد ) وعن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[ ( القاعدة الخامسة ) : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ( أ ) قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، فالله تعالى هو الواحد القهار  ، وهو سبحانه القاهر فوق عباده ، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير ، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص ، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود ، لأنّه مقهور عليها ، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار ، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار ، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير ، تنزه عن الحد والمقدار ، ( تنبيه ) :  كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره ، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار ، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ( ث ) ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  ( ج ) المخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها  فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضآلة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد  والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات  والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد ، ( ح )  كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، كما تصور البعض بأذهانهم السقيمة أن العرش أكبر من ذات الله ويفضله بأربعة أصابع وهم يقولون عند كل صلاة ( الله أكبر ) فكيف جاز لهم أن يجعلوا ذات العرش اكبر من ذات الله سبحانه تعالى الله عما يصفون ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( د ) الحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته ، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار ، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال) على كل نهاية ومقدار ، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار  ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ،  ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من وجهين : الوجه الأول : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني عن الخلق والفقير إلى الله ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) والوجه الثاني للجواب : أن صفات السمع والبصر والعلم عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات لا حد لها ولا نهاية وسع علمه جميع المعلومات ( ومعلومات الله ليس لها حد لأنه يعلم بكافة أحوال أهل الجنة من نعيم دائم لا ينقطع وهم فيها خالدون أبدا وكذلك بحال أهل النار وعذابهم الأبدي ) فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات ووسع سمعه أصوات أهل الجنة والنار وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات ، يبصر جميع المبصرات لا حد لصفة البصر عند الله تعالى وتقدس ، إذن الحد والحصر حاصل للمخلوق في ذاته وصفاته والتنزيه عن الحد والحصر والمقدار حاصل لله تعالى في ذاته وصفاته ،  ( تنبيه ضروري ) : حتى لا يقع المسلم في تكييف ذات الله من حيث لا يدري فليس المقصود من قولنا تنزيه الله عن الحد إثبات مقدار إلى ما لا نهاية فالله تعالى منزه عن الحد والمقدار وهذا التنزيه ضروري لتصفية قلب المسلم واعتقاده عن كل شوائب التكييف والتشبيه ويعلم أن المخلوق العاجز عاجز عن إدراك كنه ذات الله القديم الخالق ، والعجز عن درك الإدراك إدراك ،  ( ز ) الكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود ، فالسماوات السبع وما فيها وما بينها والكرسي والعرش وغير ذلك مما لا نعلم من ملك الله على اتساعه العظيم مخلوق محدود سمته النقص والنهاية لأنه محدث مخلوق ، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلى فهو المنزه عن كل نهاية وحدود ( والله اكبر ) عن كل تصور محدود جل عن الإحاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود علما بالخالق المنزه عن الحدود ( ولا يحيطون به علما ) و ( ليس كمثله شيء ) و ( لم يكن له كفوا احد ) ف ( لا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون )  ، ( س ) علماء الحساب والرياضيات يقولون نسبة الغير محدود إلى المحدود هي الصفر إذ لا مقارنة بين المحدود مهما كبر وبين اللامحدود ، إذن اتفق أهل العلم الراسخ بالله معهم في ذلك ، لان تلك النسبة هي نفسها نسبة الخالق إلى المخلوق ونسبة الإله الرب إلى العبد المربوب ، هي الصفر إذ لا مقارنة بين المحدود مهما كبر وبين اللامحدود ، ومنه نعلم بعض الحكمة من قولنا عند كل صلاة وقيام وركوع وسجود ( الله أكبر ) أي عن كل تصور وحدود وعن كل عجز وعيب ونقص وقصور ، ( ش ) الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين ، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل التنزيه من هذه الأمة ، حتى ما نقل عن بعض السلف بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين صفات الخالق وصفات المخلوق المخلوق لا أكثر ( أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول ) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية ، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله ، فإن الحد في اللغة على معنيين : الأول : الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح ، والثاني : الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها [ انظر مختار الصحاح ج: 1 ص: 53 ] ، ( ص ) اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم ، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش ، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى أنّ العرش مخلوق مربوب بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا ، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه ، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي ، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، هل يحتاج إلى شيء يحمله ، أو شيء يحيط به ويحويه ، مهما بلغ اتساعه وحجمه ، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق ، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش ، وهو الغني عنها ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، ( ض ) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،  

[  القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ] : ( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال أكبر وأعلى من الوجود الزماني ، وكمال أكبر وأعلى من الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، ووجوده بعد انقضاء الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، أزلي أبدي فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان ، وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل ( الله ) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود ، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ،  (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ،  (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،  (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق  ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ،  (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،  (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري  ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا  ،  ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ،  ( تنبيه ) كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المكان والزمان إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الكون في المكان الحسي ، والزمان الحسي ، ولوازم ذلك المحالة في حق القديم الباقي المنزه عن أن يحيط به مكان او يجري عليه زمان ، لا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم الباطلة التي لا تليق بذات الله تعالى تعالى وتقدس مما يوهم النقص والعجز والحاجة ،

[ القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ] :  (  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ، (  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين - عدا المشبهة - بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، إذ { ليس كمثله شيء } ،

[  القاعدة الثامنة  :  تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ،  كما في قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]   ، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، وقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 58 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ،  (  ب  ) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء ، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات ، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات ، والله تعالى منزه عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق :  والأدلة على ذلك كثيرة منها : (  أ  ) قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ،  (  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، وذلك في قوله تعالى  : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .. إلى قوله تعالى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } :   تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، والأفول في الآية معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، ومن أعظم الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ، كما أنّ من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث ، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث ولا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح ، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، هذه صفات المحدود الذي يتحرك في مكان محدود ، والمكان بالطبع أكبر من الذي يتحرك فيه ، والمتحرك في المكان صغر منه ومقهور به وبالزمان المتعلق بالحركة فيه ، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان ، ولأنّ الحركة قهر من الزمان ، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان ، فالله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، إذن : (  ث  ) الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى ، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة  والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة ،  (  ج  ) كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث ، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث ، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه  ، (  ح  ) قبول الحوادث  ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، (  خ  ) دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة ، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر ،  والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث ، والله تعالى منزه عن التغير والأفول ، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة ، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث ،  (  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ       القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق ، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا : إن القرآن محدث وليس قديما ، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة  لا تتعلق  بإرادة الله ، بمعنى أنه لا يجوز القول : أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال ، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق  بأفعال الله ولا بإرادة الله ، ،  وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء ، ويرزق من يشاء متى شاء ، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم  محدثا مخلوقا ، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين ، مذهب التنزيه والفقه في دين الله ، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ،     وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى ، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ،

[ القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ] :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط ،  (  ت ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، (    ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، (  ج  ) قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية وقوله تعالى { الله الصمد } فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ، وأما قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ،

[ القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، (  ث  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  

[ القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب ، (  ب  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[ القاعدة الثانية عشرة :  تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ] :  (  أ  ) الله تبارك وتعالى منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، (  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته ، والندم والتردد على معنى  التغير في ذاته ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) من أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة : أنها من خواص الجسم والله تعالى منزّه عن الجسمانية ، وأنها حادثة ، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث ، وهي تستلزم التغير والانفعال ،  والله منزّه من التغير في ذاته ، (  ث  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،  (  ب  ) تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : هو ما نطق به القرآن الكريم ، ولا يخالف في ذلك مسلم أصلا ، ومما يدل على نفي السنة والنوم قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] ، ومما يدل على نفي العجز والتعب ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ ق : 38 ] ،  ومما يدل على نفي النسيان قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم : 64 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } [ طه : 52 ] ، ومما يدل على نفي الظلم ، قوله تعالى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف : 49 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] ، والقاعدة أنّ كل كمال نطق به الكتاب والسنّة فالله متصف به وكل نقص يضاد هذا الكمال فالله تعالى منزه عنه ، وكل جلال وإكرام نطق به الكتاب والسنّة فالله تعالى متصف به ، ومنزه عن كل عيب يضاده ،

[ القاعدة الخامسة عشرة :  تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ] :  (  أ  ) تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، (  ب  ) من الأشياء التي يستحيل نسبتها إلى الله تعالى ( الوالد والصاحبة والولد ) لأنّه تعالى خالق لكل موجود ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ،  (  ت  ) النصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،  وخلاصة ما سبق أنّ الله تعالى يستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، فيستحيل في حقه الزوجة والوالد والولد ، وأنّه تعالى خالق كل شيء واتخاذ الولد ليس خلقاً بل هو انفصال جزء من الوالد وهو ينافي أحدية الله وواحدية الله وصمدية الله وكونه الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ، ولهذا كان اعتقاد الولد لله من أفسد العقائد على وجه الأرض ، حتى أن الجماد ليتأذى منها ، قال تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ،  

[ ( القاعدة السادسة عشرة ) : دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ] : القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا علماء الشريعة أن يقولوا :  أن من قدح في المجاز ، فقد خبط خبطا عظيما ، ونادى على نفسه بالجهل المركب باللغة العربية وبالقرآن ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  ( أ ) التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، ( ب ) التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ، ( ت ) التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة ، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا ، وهذا لا يقول به عاقل ، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال ، ( ث ) التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة ، كما في قوله تعالى : { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران : 103 ] ، وشفا الجرف الهار ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة : 109 ] ، ( ج ) التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، ( خ ) التعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة : 11 ] ، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد : 26 ] ، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245 } [ البقرة : 245 ] ، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29 ] ، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، ( د ) التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،  ( ذ ) التعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال : 70 ] ، أي في قهركم واستيلائكم ، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم ، وقوله تعالى : {  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان ،  ومنه قوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] ، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه ،  ( ر ) التعبير عن الذات باليد ، كما في قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط ، كما في قوله تعالى : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 10 ] ، والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، 

القاعدة السابعة عشرة  :  خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ] :  ( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،   ( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  } ، وقوله تعالى :  {  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ،   وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأن الله تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة قال تعالى ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  ، ( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] ، وقوله تعالى : { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ السجدة : 14 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى المراد : غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته فنسيهم   فتركهم من لطفه وفضله ، والدليل عليه قوله تعالى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } ، ( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، ( ح ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية ، ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ  } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ،  واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12 ] ، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم ، وسع ربي كل شيء علما ،  ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } [ سبأ : 50 ] ،، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،   ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة  : بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،  

[ ( القاعدة الثامنة عشرة ) : فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، [ مجاز الوجه في القرآن ] : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وسبب ذلك أن أول ما يستقبلك من الإنسان وجهه فلذلك استعير لفظ الوجه للنهار للدلالة على أوله ، والعرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وقد اتفق المفسرون على أن المعنى المقصود من الآية هو  أن يؤدي الشهود الشهادة كما حملوها على حقيقتها من غير تغيير لها ولا تحريف ولا خيانة ،  وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم وسلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها بعد ما كان كل ذلك  ليوسف عليه السلام . فكان ذكر الوجه مجازاً لتصوير معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل بوجهه ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء  : 125] ، وقوله تعالى { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام  : 79] ، قلت : نفهم من الآيات الكريمات السابقات أن توجه الوجه إلى الله تعالى هو أول المأمور به ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، وقوله تعالى ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآيات إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ }، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، وقوله تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

[ ( القاعدة التاسعة عشرة : فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى ] ، عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ، [ آيات القرب والمعنى المراد منها ] : جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [ الواقعة : 85 ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، [ آيات الإحاطة والمعنى المراد منها ] : قال تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،  [ آيات الاستواء والمعنى المراد منها ] : الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، [ آيات الاستواء ومفاتيح الفهم لها ] : ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين ، ( الآية الاولى ) : قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ، ( الآية الثانية ) : قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، ( الآية الثالثة ) : قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ] ، المفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، ( الآية الرابعة ) : قوله تعالى : { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن ) ، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير ، بقرينة قوله تعالى : { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } ، وقوله تعالى {  لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير ، فإن قال أهل الحشو والبدعة والضلالة : فإذا حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير  وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض ، قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها ، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل والمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض ، ثم لا ننسى قوله تعالى:  (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة:  17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون ، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق  أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله ،  والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير ، ( الآية الخامسة ) : قال تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما } ، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره ، وسعت رحمته كل شيء ، ( الآية السادسة ) : وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) ، ( الآية السابعة ) : قوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ،  ثانيا : قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،  ثالثا : قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى "المعية" وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون "  ،  رابعاً : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ،

القاعدة العشرون : رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ] : (  أ  ) من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، (  ب  ) وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها لله تعالى  كمالاً من جهة وتتضمن نقصاً من جهة أخرى ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال ، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ،  (  ت  ) طرق الراسخين في العلم ، فيما يتعلق بالصفات الخبرية ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص ، (  ث  ) مع الحذر - كل الحذر - من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية ، واثبات للجزء والبعض والجارحة ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية ،  (  ح  ) ومثال الصفات الخبرية أيضا ( الاستواء ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله ، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص ، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود ، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وهو أكبر من الحدود ، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه ، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود ، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود ، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات ، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر ( الجلوس ) ، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب  ، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها ، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار ، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير  ، وإما تفويض علمه إلى الله ، ( استواء على مراد الله ومراد رسول الله ) مع المنع من تفسيره على ظاهره ( الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه ، مع الحذر من اثبات الاستواء على أته الجلوس ، فهذا تشبيه ، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة ، ومع الحذر من نفي ( الاستواء ) كأن يقول : ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش ، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال ، (  د  ) آراء أهل السنّة والجماعة في المتشابهات كما ذكرنا ثلاثة ، والفرق بين هذه الآراء : أن الرأي الاول - مذهب السلف -  يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار ، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله ، والرأي الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى ، والرأي الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم ، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول ، فنفسره بذلك ، ولا نتعرض للنزول ، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء ، مع عدم نفي خبر النزول ، (  ذ  ) وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة ، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها ، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه ، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه ، [ القاعدة الحادية والعشرون : وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة ] : لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : ( 1 ) لأن أهم العلم وأعظمه العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وتقديس الله وتسبيحه  وتنزيهه عن العيب والنقص ،  ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم توحيد الذات الذي هو أشرف العلوم لأنه علم التسبيح والتقديس والتنزيه  ،  ومنه يُستفاد نفي كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات في حقه تعالى ، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ،  لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو ،

[  القاعدة الثانية والعشرون : حل اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه  ] : هذه القاعدة أخصصها للرد على بعض اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه ، وذلك تتمة في الحرص على تحلي المسلم بخلق التقديس والتسبيح لجناب الله تعالى وتقدس ، حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ، وحل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ، وحل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ،  [ ( أولا ) : حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ] : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين [[رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال ، ولذلك ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعلها بأربعة علل ، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ( 1 : 86 ) - وهو ممن تأول الحديث -  الأولى : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناد الحديث , فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر ، والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت  ، والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ، والرابعة ذكرها  الألباني ،  وهي : جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة , فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة بلفظ ((  على صورته ))  ، ولم يذكر  (( على صورة الرحمن )) ، ولفظ ((  على صورته )) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة [ أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ] ،  ]] ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم على صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول الحافظ ابن خزيمة ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، ومن الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصور والأشكال، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال}  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الشكل والصورة والجارحة ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ، [ ( ثانياً ) : حل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث ]  : حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي : قال في كتابه الأسماء والصفات " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " [ الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) و انظر السنن الكبرى للبيهقي  7  :  388 ) ] والامام الحافظ البزار : قال " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " أهــ [ كشف الاستار 1  :  14] والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  ) [ آل عمران : 8 ] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  أخرج الإمام مالك في الموطأ : أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2 : 777 ح (1469) ] ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده [ مسند أحمد 3 : 451 ] وهو في مصنف عبد الرزاق [ 9 : 175 ] ، والتوحيد لابن خزيمة [ 122] وسنن البيهقي الكبرى [ 7 :  388(15046) ] وقال الذهبي في العلو [ 15] هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره [ 1 : 535 ] " وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " أهــ   وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد [ 9 : 114] ،  وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (( يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) [ أخرجه الإمام أحمد في مسنده : 4 : 222 و388 و389 ، وأبو داود في سننه : ص 477 (3283) ،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود : 2\322 (  3283 ) ، والنسـائي في السنن الصغرى : 6 : 252 ،   وفي السنن الكبرى :  4 : 110 ، والدارمي في سننه : 2 : 244(2348) ، وابن خزيمة في كتابه التوحيد صـ 122 ، والطبراني في المعجم الكبير : 7 : 320(7257) ،  والبيهقي في سننه الكبرى:  7 : 388(15049)  ]  ، والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرج الإمام مسلم بسنده عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : ((  وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال : من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجها الإمام مسلم : ح (537) (باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ) ]  ، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين - سوى ابن مالك - ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل ( لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب ) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة ) ، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تسميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتسميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث ، كما أنّ لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) [صحيح البخاري1 : 17(25) ] ، (  ) كما أنّ لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين : كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] ، (  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد ( لا لا له له لا الله = محمد رسول الله ) ويؤيدها كذلك حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )  وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر ، (   ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، (   ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ،  فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،  [ ( ثالثاً ) : حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ] :  أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) [ البخاري ح 1077 ]  ، للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ] ، ولم نر جملا نازلا من السماء ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ] ، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء ، وللنزول الحقيقي لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : ( أ ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون ، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك ، ( ث ) كما يقول الرازي : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل ،  وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( ج ) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال ، ( ح ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله ، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم ، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت ،  ( 6 ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا  ، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده ، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك ، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام ، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى : ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ومعلوم أنّ العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره ، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ، 

 

المزيد

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 2 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 2 ) 

المزيد

الدين النصيحة ( 3 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 3 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 3 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 3 ) 

المزيد

الدين النصيحة ( 3 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 3 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 3 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الحلقة 3 ) 

المزيد

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 4 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 4 ) 

المزيد

فقه المراد ب ( اليد ) في آيات القرآن الكريم

المقال الدورى

فقه المراد ب ( اليد ) في آيات القرآن الكريم : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذا مبحث وجيز عن فقه المراد ب ( اليد ) في القرآن الكريم ، أقول وبالله التوفيق :  ( اليد ) في اللغة جزء من ذات ، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تنفي الاجزاء والابعاض ، فصار لفظ ( اليد ) متشابها ، فلابد من رده إلى امهاته من المحكم وهو اسم الله تعالى ( الأحد ) فإما أن نقول صفة ( اليد ) منزه عن الجزء والبعض كما هو مستعمل على ظاهره في اللغة ، وإما ان نقول في المتشابهات : الله أعلم بمراده منه ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وإما أن نعود إلى سياق الآيات التي ورد فيها ذكر ( اليد ) ونفهم الآيات وفق السياق ، وكل آية فيها ذكر لها مفاتيحها التي يعلمها الأصوليون ،

فصل : ما جاء في ( اليد ) مضافاً إلى الله تعالى

( أ ) وذلك في ثمان آيات بلفظ الوحدان في أربعة مواضع والتثنية في موضعين والجمع في موضعين ، ففي سورة المائدة ( بل يداه مبسوطتان )   وفي سورة ص ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وفي سورة الأعراف ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها  ) عيرهم بعدم هذه الصفات وفي سورة  يس ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) وفي سورة الفتح ( يد الله فوق أيديهم ) وفي سورة الحديد ( وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) وفي سورة الملك ( تبارك الذي بيده الملك ) وفي سورة آل عمران ( بيدك الخير انك على كل شيء قدير )

( ب ) مجاز اليد في القرآن : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها ؟، قال الحافظ بن كثير : " الضمير عائد على القرية أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم نكالا أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة ..قال ابن عباس يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى ..وكذا قال سعيد بن جبير لما بين يديها وما خلفها قال من بحضرتها من الناس يومئذ "[ تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 108] أهـ   ، وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ } ، وقوله تعالى ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } ، وقوله تعالى { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }  ، وقوله تعالى { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }  ، وقوله تعالى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } ، وقوله تعالى { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، فهل للقرآن يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا } ، وقوله تعالى : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، قال أبو السعود في تفسيره : " بين يدى رحمته   استعارة بديعة أي قدام المطر والإلتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا لإبراز كمال العناية بالإنزال " [ تفسير أبي السعود ج: 6 ص: 224] أهـ  ، وقال النسفي في تفسيره : " بين يدى رحمته أى قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة " [تفسير النسفي ج: 3 ص: 171] أهـ ، وقوله تعالى  { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، قوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } ، وقوله تعالى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم  ، قال النسفي في بيان ذلك : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   إي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك ..وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45 ] أهـ ،  قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  قوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، ثم هاهنا لطيفة أخرى وهي قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم ) فهل يحمل مؤمن النسيان على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى عن النسيان وعن كل نقص , أم أن المعنى المفهوم من الآية تركوا أمر الله وطاعته فترك الله هدايتهم جزاءً وفاقا وكني عن الترك مجازاً بالنسيان للدلالة على بعد هداية المنافقين لأنهم أشر من الكافرين ،  قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب الاستعارة التمثيلية ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، قال الشوكاني في تفسير الآية : " قوله  ( يد الله مغلولة ) ..وهذه الآية هى على طريق التمثيل كقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف " [فتح القدير ج: 2 ص: 57] أهـ ،  ومن أقوال المفسرين حول الآية : قال الواحدي : " وقالت اليهود يد الله مغلولة مقبوضة عن العطاء وإسباغ النعم علينا ..فقالوا لعنهم الله على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة وقوله غلت أيديهم أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان قيل معناه الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام وقيل معناه نعمه مبسوطة ودلت التثنية على الكثرة كقولهم لبيك وسعديك وقيل نعمتاه أي نعمة الدنيا ونعمة الاخرة مبسوطتان ينفق كيف يشاء يرزق كما يريد إن شاء قتر وإن شاء وسع " [تفسير الواحدي ج: 1 ص: 327] أهـ  ، وقال أبو السعود "  فإن كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد وغل أو بسط ..(يداه مبسوطتان ) عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود وإليه أشير بتثنية اليد فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم وقيل التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة " [تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 58] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغل وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله جاد الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه تلاعه ووهاده ونظيره من المجازات المركبة شابت لمة الليل ..( بل يداه مبسوطتان )   ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 345] أهـ ، وقال الزركشي : "وقوله (بل يداه مبسوطتان )  كناية عن كرمه وثنى اليد وان أفردت في أول الآية ليكون ابلغ في السخاء والجود " [البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 308] أهـ ، وقال النسفي : " وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى أنه يستعمل في ملك يعطى ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلا لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية وقوله غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت و إنما ثنيت اليد في بل يداه مبسوطتان وهى مفردة في يد الله مغلولة ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه " [تفسير النسفي ج: 1 ص: 291] أهـ ، وجاء تفسير الجلالين  " يد الله   مغلولة مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل تعالى الله عن ذلك قال تعالى غلت أمسكت أيديهم عن فعل الخيرات دعاء عليهم ولعنوا بما قالوا ( بل يداه مبسوطتان ) مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه ينفق كيف يشاء من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه "  [تفسير الجلالين  ج: 1 ص: 149] أهـ ، وقال الألوسي : " فان كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود أو كناية  عن ذلك وقد استعمل حيث لا تصح يد ..ومنه قوله تعالى وقالت اليهود   يد الله   الآية عنوا الوصف بالبخل ورد عليهم بأنه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط " [روح المعاني ج: 6 ص: 180] أهـ ، وقال الثعالبي "  وقوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان )  العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله سبحانه وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه لا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا " [تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 473] أهـ ، وقال ابن الجوزي : " والمراد بقوله بل يداه مبسوطتان أنه جواد ينفق كيف يشاء وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري قال ابن عباس إن شاء وسع في الرزق وإن شاء قتر " [زاد المسير ج: 2 ص: 393] أهـ ، وقال الطبري : " يقول تعالى ذكره وقالت اليهود من بين إسرائيل يد الله مغلولة يعنون أن خير الله ممسك وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ، وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك والمعنى العطاء لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه كما قال الأعشى في مدح رجل : ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق ) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى   فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم .. يقول ( بل يداه مبسوطتان ) بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه غير مغلولتين ولا مقبوضتين "[ تفسير الطبري ج: 6 ص: 299] أهـ ،   وقال القرطبي :"قوله تعالى بل يداه مبسوطتان ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم  هذا غلط لقوله  بل يداه مبسوطتان فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل قوله عليه السلام  مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين فأحد الجنسين نعمة الدنيا والثاني نعمة الآخرة وقيل  نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه  النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك .. وقيل  إن النعمة للمبالغة كقول العرب : لبيك وسعديك وليس يريد الاقتصار على مرتين وقد يقول القائل :ما لي بهذا الأمر يد أي قوة قال السدي : معنى قوله يداه قوتاه بالثواب " [تفسير القرطبي ج: 6 ص: 239] أهـ  ، وقال رحمه الله :" لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة كقوله تعالى  بل   يداه مبسوطتان "[ تفسير القرطبي ج: 16 ص: 323] أهـ ، وقال رحمه الله :" فالاخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه  من وصف شيئا من ذات الله عزوجل مثل قوله  وقالت اليهود ( يد الله   مغلولة فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه " [تفسير القرطبي ج: 11 ص: 256] أهـ ، وقال ابن كثير : " قال تعالى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له " [تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 76] أهـ ، وقال الجصاص في أحكام القرآن : " واليد في اللغة تنصرف على وجوه منها الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان عندي يد أشكره عليها أي نعمة ومنها القوة فقوله أولي الأيدي فسروه بأولي القوى ومنها الملك ومنه قوله الذي بيده عقدة النكاح يعني يملكها ومنها الاختصاص بالفعل كقوله تعالى خلقت بيدي أي توليت خلقه ومنها التصرف كقوله هذه الدار في يد فلان يعني التصرف فيها بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال تعالى بل يداه على وجه التثنية لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود لأنه لا يقدر على عقابنا وقيل إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك لبيك وسعديك " [ أحكام القرآن 2 ج: 4 ص: 104-105 ] أهـ ،  وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10 ]  ، قال الطبري : " وفي قوله   يد الله فوق أيديهم وجهان من التأويل أحدهما   يد الله   فوق أيديهم عند البيعة لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته على العدو " [تفسير الطبري ج: 26 ص: 76] أهـ ، وقال الواحدي:" يد الله فوق أيديهم نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة " [تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1008] أهـ ، وقال أبو السعود : "  وقوله تعالى يد الله فوق أيديهم حال أو استئناف مؤكد له على طريقة التخييل والمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقرىء إنما يبايعون الله " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 106] أهـ ، وقال رحمه الله : "وأما على طريقة المجاز العقلي بأن ينسب إليه تعالى ما حقه أن ينسب إلى الرسول أبانة لمكانته عنده تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى ( أن الذين يبايعونك أنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) " [ تفسير أبي السعود ج: 1 ص: 41] أهـ ، وقال الثعالبي : " وقوله تعالى يد الله قال جمهور المتأولين اليد بمعنى النعمة إذ نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك وقيل المعنى قوة الله فوق قواهم في نصرك ت وقال الثعلبي   يد الله   فوق أيديهم أي بالوفاء والعهد وقيل بالثواب وقيل   يد الله   في المنة عليهم فوق أيديهم في الطاعة عند المبايعة وهذا حسن قريب من الأول "[ تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 174] أهـ ، وقال بن الجوزي : " يد الله   فوق أيديهم فيه أربعة أقوال   أحدها   يد الله   في الوفاء فوق أيديهم والثاني   يد الله   في الثواب فوق أيديهم والثالث   يد الله   عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ..والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم "[ زاد المسير ج: 7 ص: 427] أهـ ، وقال القرطبي : " يد الله فوق أيديهم قيل  يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة وقال الكلبي  معناه نعمة الله عليهم " [تفسير القرطبي ج: 16 ص: 267] أهـ ، وقال بن كثير : " ثم قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له وتعظيما وتكريما إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله كقوله جل وعلا من يطع الرسول فقد أطاع الله   يد الله   فوق أيديهم أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 186] أهـ ، وقال الشوكاني : " يد الله   فوق أيديهم مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل " [ فتح القدير ج: 5 ص: 47] أهـ ، وقال السيوطي : " يد الله فوق أيديهم التي بايعوا بها النبي أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها " [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 680] أهـ ، وقال النسفي : " الله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام و إنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله ( من يطع الرسول فقد اطاع الله )  "[ تفسير النسفي ج: 4 ص: 154] أهـ ، وقال الألوسي " يد الله  فوق أيديهم استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبالغة قال في الكشاف لما قال سبحانه  إنما يبايعون الله أكده على طريقة التخييل فقال تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) وأنه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما وفي المفتاح أما حسن الأستعارة التخييلية فبحسب حسن الأستعارة بالكناية متى كانت " [روح المعاني ج: 26 ص: 96] أهـ وقال رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } ، " والسلف يمرون الآية كما جاءت مع   تنزيه الله   عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون  إن معرفة حقيقة ذلك فرع  معرفة حقيقة الذات وأني ذلك وهيهات هيهات " [روح المعاني ج 26 ص97] أهـ ،  وقوله تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 26 ] ، يفهم من سياق الآية أن بقدرة الله تعالى كل شي فلا يملك تقدير الأمور إلا هو سبحانه فلا يطلب الخير إلا منه لأنه سبحانه بيده الخير ، وحمل معنى سياق قوله تعالى ( بيدك الخير ) على القدرة لا على الجارحة هو ما اعتادته العرب من بلاغتها وهو الصحيح المحكم بقرينة ختم الآية بقوله (إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي بعموم القدرة لله وحده ، قال أبو السعود في تفسير الآية " بيدك الخير   تعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد غيرك "[ تفسير أبي السعود ج: 2 ص: 21] أهـ ، وقال الطبري " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ..بيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء وتقدر بها على كل شيء " [تفسير الطبري ج: 3 ص: 227] أهـ ، وقال بن كثير " يقول تعالى منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء كما قال قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء   بيدك الخير "[ تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 233] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي " بيدك الخير   إنك على كل شيء قدير ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا أو لمراعاة الأدب في الخطاب " [تفسير البيضاوي ج: 2 ص: 24] أهـ  ،  وقوله تعالى { قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ آل عمران :73 ] ، وقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  )[ سورة الملك : 1] ، وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها ، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله إعلموا أن لله يد ، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) و (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ، قال الزركشي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – "  السادس عشر إطلاق اسم المحل على الحال   كقوله ( فليدع نادية)   وقوله تعالى ( وفرش مرفوعه ) اي نساؤه بدليل قوله ( إنا انشأناهن انشاء )  وكالتعبير باليد عن القدرة كقوله( بيده الملك ) "[ البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 281] أهـ ، وقال السيوطي :- وهو يتحدث عن مجاز القرآن – " ومنه التعبير باليد عن القدرة نحو   بيده الملك " [ الإتقان ج: 2 ص: 101] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي في التفسير " ( تبارك الذي بيده الملك )   بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها " [تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 360] أهـ ، وقال أبو السعود في تفسيره : " واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل أي تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذي بقبضة قدرته التصرف الكلي في كل الأمور " أهـ ، وقال النسفي في تفسيره : "  تبارك تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي   بيده الملك   أي بتصرفه الملك والاستيلاء عل كل موجود وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء  " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 262] أهـ ، وقال الألوسي في تفسيره : " بيده الملك ..  استعارة تمثيلية لذلك ..أو إن الملك على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء .. بيده الملك   البركة النماء والزيادة ..ومن الناس من حمل الملك على الموجودات وجعل اليد مجازا عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازا عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى   بيده الملك   مالك الملك " [روح المعاني ج:29 ص: 3-4] أهـ ، وقال الطبري في تفسيره : " يعني بقوله تعالى ذكره تبارك تعاظم وتعالى الذي   بيده الملك   بيده ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما نافذ فيهما أمره وقضاؤه " [تفسير الطبري ج: 29 ص: 1]أهـ ، وقال ابن كثير في تفسيره : " يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه   بيده الملك   أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى وهو على كل شيء قدير " [تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 397] أهـ  ،  وقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، وقوله تعالى { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، ( قلت ) : اليد تجمع على أيد قال تعالى { ألهم أيد يبطشون بها } وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } و على أيدي قال تعالى { مما عملت أيدينا } ، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، والمراد بالآية هاهنا  إثبات القوة والقدرة ، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } وقوله تعالى  { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ،  فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار ، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة  ، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل . فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني ،  وهاهنا في الآية { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه فصاحب اليد ( الجارحة ) يحتاج إلى يده لتناوله الأشياء وصاحب الرجل (الجارحة ) يحتاج إلى رجله ليتحرك بها وصاحب العين ( الجارحة ) يحتاج إلى عينه ليبصر بها وهكذا فالمتجزيء يحتاج إلى جزئه والمتبعض يحتاج إلى بعضه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإثبات الجارحة ليس فيه أي معنى للكمال الإلهي المتصف بكمال الأحدية وكمال الصمدية وكمال القيومية وكمال الغنى ، بل هو نقص يتنزه الله تعالى عنه ويضاد جميع تلك الصفات العلا  ، ونعود إلى الآية فنقول : تأويل الأيد في الآية بالقوة ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )  قال: بقوة   ، [تأويل التابعين للأيد في الآية بالقوة ] ،  فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد و قتادة  والسدي وغيرهم من التابعين وأخرج البيهقي وغيره عن مجاهد في قولهم (والسماء بنيناها بأيد ) قالوا : يعني بقوة  ،  [وقد تواترت أقوال العلماء والمفسرين واللغويين على تأويل اليد بالقوة ] ، قال الطبري " ذا الأيد ويعني بقوله ذا الأيد ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته ..قال ابن زيد في قوله داود ذا الأيد قال ذا القوة في عبادة الله الأيد القوة وقرأ والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [تفسير الطبري ج: 23 ص: 136] أهـ ، وقال رحمه الله : " حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة   حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [تفسير الطبري ج: 27 ص: 7]أهـ ، وقال رحمه الله " ..عن ابن عباس قوله والسماء   بنيناها بأيد   يقول بقوة  ..عن مجاهد قوله بأيد قال بقوة   ..عن قتادة والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الطبري ج: 27 ص: 7] أهـ ، وقال القرطبي : " قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد )   ..ومعنى بأيد أي بقوة وقدرة " [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 52] أهـ ، وقال البيضاوي :" والسماء   بنيناها بأيد   بقوة "[ تفسير البيضاوي ج: 5 ص: 241] أهـ ، وقال السيوطي في الدر المنثور "   وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  بقوة   وأخرج آدم بن أبي إياس والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال  يعني بقوة " [ الدر المنثور ج: 7 ص: 623] أهـ ، وقال في التفسير : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال بن كثير : "   كقوله تعالى والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة " [ تفسير الجلالين ج: 1 ص: 695] أهـ ، وقال رحمه الله : " يقول تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيدي القوة في العلم والعمل عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد الأيدي القوة وقرأ ابن زيد والسماء   بنيناها بأيد   وإنا لموسعون وقال مجاهد الأيدي القوة في الطاعة "[ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 30] أهـ ، وقال أبو السعود : " والسماء   بنيناها بأيد   إي بقوة " [تفسير أبي السعود ج: 8 ص: 142]أهـ ، وقال البغوي : " والسماء   بنيناها بأيد   بقوة وقدرة " [تفسير البغوي ج: 4 ص: 234]أهـ ، وقال الشوكاني : "  والسماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وقدرة ... وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله والسماء   بنيناها بأيد   قال بقوة " [ فتح القدير ج: 5 ص: 91] أهـ ، وقال بن الجوزي : "   والسماء بنيناها المعنى وبنينا السماء   بنيناها بأيد   أي بقوة وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر المفسرين واللغويين بأيد أي بقوة " [زاد المسير ج: 8 ص: 40] أهـ ، وقال الزركشي : " وقوله والسماء   بنيناها بأيد   أراد بالأيد القوة " [البرهان في علوم القرآن ج: 3 ص: 445]أهـ ، وقال النسفي : " بنيناها بأيد   بقوة والايد القوة " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 181] أهـ ، وقال الألوسي : " ويحتمل أنه جمع باعتبار كونه عظيم الشأن جليل القدر كجمع اليد بمعنى القدرة على قول في قوله تعالى  والسماء   بنيناها بأيد " [ روح المعاني ج: 23 ص: 35] أهـ ، وقال رحمه الله : " والسماء أي وبنينا السماء بنيناها بأييد أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة "[ روح المعاني ج: 27 ص: 17] أهـ  ،  وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( قلت ) : فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها ) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى (.. أن تسجد إذ أمرتك ) ، ولا عبرة لمن قال : لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال ( بيدي ) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية ، وقولهم : ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل : {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي  { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   فإن تواضعوا للعلم وقالوا فما معنى الآية ( لما خلقت بيدي ) قلنا : لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة ، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء ، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباريء سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية { قل هو الله أحد } ونفي المثلية { ليس كمثله شيء } وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح ، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى  أن الله _تعالى_ مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته ، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما  ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ،  فسياق الآية يدل على أن المراد من قوله تعالى { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره { وعلم آدم الأسماء كلها } ، وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،  قال إمام الحرمين في العقيده النظامية : " وقد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة 0 وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها  وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها ، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب ، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها الى الرب تعالى 0 والذي نرتضيه رأيا : وندين الله به عقلا : اتباع سلف الأمة 0 فالأولى الاتباع ، وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك : أن إجماع الأمة حجه متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام ، والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها 0 فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغا ، ومحتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة 0واذا انصرم عصرهم ، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع 0 فحق على ذي دين : أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى ، وعد إمام القراء وسيدهم : الوقوف على قوله تبارك وتعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } من العزائم ، ثم الابتداء { والراسخون في العلم } [ آل عمران : 7 ]  ومما استحق من كلام امام دار الهجرة –رضى الله عنه – وهو مالك بن أنس رضى الله عنه 0 أنه سئل عن قوله تبارك وتعالى { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] فقال ( الاستواء معلوم 0 والكيفية مجهولة 0 والسؤال عنه بدعه ) ، فلتجري آية الاستواء والمجيء وقوله ( لما خلقت بيدي ) [ص : 75] وقوله ( ويبقى وجه ربك )[الرحمن :  27] وقوله ( تجرى بأعيننا ) [ القمر  : 14] وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه فهذا ما يجب لله تبارك وتعالى ." [العقيده النظاميه ص 32] أهـ  ،  وإليك بعض أقوال العلماء في تفسير الآية :  قال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل  " ( لما خلقت بيدي ) أي بنفسي من غير توسط كأب وأم " [محاسن التأويل : ج15 :  328] أهـ ، قلت : وذلك لأن إبليس من الجن فليس الأصل أما آدم فهو أصل الإنسان ، وقال النسفي في تفسيره : " ما منعك أن تسجد ما منعك عن السجود لما   خلقت بيدي   أي بلا واسطة امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك أو كنا وفوك نفخ وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ومنه قوله مما عملت أيدينا ولما خلقت بيدي " [تفسير النسفي ج: 4 ص: 45] أهـ ، وقال القاضي البيضاوي : " قوله تعالى  ( لما خلقت بيدي ) اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة ..وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزيء المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  " [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 122] أهـ    ، وجاء في تفسير البحر المحيط : " {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له، ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله الحوادث، وكل هذا مقرر في علم أصول الدين. والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جارياً على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه. ومنه قوله:  ( يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق  ) ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق." [ البحر المحيط تفسير قوله تعالى (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)] أهــ ، وقال الكرماني في الكواكب الدراري: " والمقصود من الباب " لما خلقت بيدي " بيان ماورد في اليد مضافة إلى الله تعالى وهذا وأمثاله من الوجه والعين ونحوها من المتشابهات والأمة فيها طائفتان مفوضه ومؤولة فمن وقف على قوله تعالى : " إلا الله " ، وجعل " الراسخون " ابتداء كلام أخر فوض حكمها إلى الله تعالى ومن لم يقف وعطف أولها بما يليق به لأن البرهان قائم على امتناع حملها على حقائقها اللغوية فأولوا اليد بالقدرة فهو من صفات الذات ويقال هو في قبضتي أي في قدرتي ويقال أعمل مثل هذا بأصبعي إذا أراد القدرة عليه على سبيل استحقاره فإن قلت القدرة واحدة فما معنى بيدي ؟ قلت : هذا تمثيل إذ من اعتنى بشيء واهتم بإكماله باشره بيده ." [الكواكب الدراري ج12ص126] أهـ  ، قلت : أي والمراد فيستفاد من ذلك ان العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره ولا شك ،  وقال القرطبي في تفسيره : " واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى  وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى وتكون للنعمة تقول العرب  كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة لي قد أسديتها له وتكون للقوة قال الله عز وجل : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } أي مما عملنا نحن وقال  أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أي الذي له عقدة النكاح وتكون بمعنى التأييد والنصرة ومنه قوله عليه السلام (( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم )) وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما ، قال الله تعالى { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ،  فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض " أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 238] ،  وقال الإمام ابن جماعة في كتابه إيضاح الدليل  : " الآية العاشرة قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) و ( يد الله فوق أيديهم ) و ( بل يداه مبسوطتان ) و ( بيده ملكوت كل شيء) و ( بيدك الخير ) : اعلم أن اليد لغة حقيقة في الجارحة المعروفة وتستعمل مجازا في معان متعددة كما سنذكره إن شاء الله تعالى , وإذا ثبت بالدليل العقلي تنزيه الله تعالى عن الجوارح لما فيه من التجزؤ المؤدي إلى التركيب وجب حمل اللفظ على ما يليق بجلاله تعالى من المعاني المستعملة بين أهل اللسان وهي النعمة والقدرة والإحسان  ، أما النعمة فكقولهم لفلان عندي يد لا أطيق شكرها ولفلان علي أياد يعجز عن شكرها والمراد نعم وإحسان يريدون التجوز واستعماله أن اليد آلة الإعطاء غالبا فأطلقت على النعمة بإطلاق السبب على المسبب ، وأما القدرة فكقولهم هذه البلدة في يد السلطان ويقال امري بيدك وفلان بيده الأمر والنهي ومنه قوله تعالى ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) والمراد في ذلك كله القدرة والتمكن من التصرف إذ ليس البلد والأمر والنهي وعقدة النكاح في حقيقة يد السلطان والولي التي هي عفو فتعين ان المراد قدرته وتصرفه  ، وقد تستعمل اليد مثله للتأكيد في التقدم كقوله تعالى ( بين يدي رحمته ) و ( قدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ولا يد للرحمة والنجوى  ، إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى ( لما خلقت بيدي ) فله ثلاثة أجوبة : ( أحدها ) : أن المراد مزيد العناية بنعمة عليه في خلقه وإيجاده وتكريمه كما يقال خذ هذا الأمر بكلتا يديك وأخذت وصيتك بكلتا يدي      ولا شك أن الاعتناء بخلق آدم حاصل بإيجاده وجعله خليفة في الأرض وتعليمه الأسماء وإسكانه الجنة وسجود الملائكة له فلذلك خصه بما يدل لغة على مزيد الاعتناء  ، (  الجواب الثاني ) : أن المراد بيدي القدرة لأن غالب قدرة الإنسان في تصرفاته بيده وثنيت اليد مبالغة في عظم القدرة فإنها باليدين أكثر منها بالواحدة  ،  الثالث : أن يكون ذكر اليدين صلة لقصد التخصيص به تعالى ومعناه لما خلقت أنا دون غيري ومنه قوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك ) أي بما قدمت أنت ومنه قولهم يداك أوكتا أي أنت فعلت ، وأما قوله تعالى  ( يد الله فوق أيديهم ) فقد قال الحسن وغيره أي منته وإحسانه ، وأما قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) فلا يشك عاقل أن المراد بذلك الجود والإنعام لأنه ورد ردا على اليهود في قولهم ( يد الله مغلولة ) ولا يشك عاقل أنهم لم يقصدوا بذلك الفعل المعروف وإنما قصدوا إمساك نعمه عنهم وحبسها بإمساك المطر ونحو ذلك فرد عليهم بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) أي بالخير وإفاضة النعم لمن شاء ولذلك قال ( ينفق كيف يشاء ) فبين المراد به  ، وأما إرادة بسط الجوارح المعروف حقيقة فلا يتوهمه عاقل فضلا عن اعتقاده ،  فإن قيل : إن كان المراد بخلقت بيدي القدرية لم يكن لآدم مزية لأن الخلق كلهم بقدرته ، قلنا المراد مزيته بالخلق في الإكرام بالأنواع التي ذكرناها ، وكذلك قوله تعالى (  مما عملت أيدينا ) فليس لها مزية على غيرها باعتبار الخلق وحده بل بإعتبار ما جعل في خلقها من المنافع المعدومة في غيرها ، فإن قيل فالقدرة شيء واحد لا يثنى ولا يجمع وقد ثنيت وجمعت ، قلنا هذا غير ممنوع فقد نطقت العرب بذلك بقولهم مالك بذلك يدان  ،    وفي الحديث عن يأجوج ومأجوج ما لأحد يدان بقتالهم  ،  فثنوا عند قصد المبالغة ومنه ،( بين يدي نجواكم صدقة ) و ( بين يدي رحمته ) وأيضا فقد جاء ( يد الله)  وجاء ( يداه مبسوطتان ) وجاء ( بأيدينا  )  فلو لم يحمل على القدرة وحمل على الظاهر لزم من تصوير ذلك ما يتعالى الله عنه  وقول بعضهم إن اليدين في قوله تعالى (خلقت بيدي)  صفتان قائمتان بذات الرب تعالى والمسلم يعقل معناها فقد تقدم الجواب عنه والرد عليه "[ ايضاح الدليل لابن جماعة] أهـــ    ،  وقال الإمام الحنبلي مرعي بن يوسف في كتابه أقاويل الثقات  : " ومن المتشابه اليد في قوله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح 10]  ( لما خلقت بيدي ) [ص 75]  ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة 64] ) مما عملت أيدينا(  [ يس 71  ]  ( قل إن الفضل بيد الله  ) [ آل عمران 73  ]    وتأويله أن المراد باليد القدرة      وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما ،  وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )    [ص : 75 ]  وقال   { بل يداه مبسوطتان  }  [ المائدة  : 64] وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك ، وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله { داود ذا الأيد  }  [ ص : 17 ] ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله  { إن الفضل بيد الله }[ آل عمران :  73 ]  وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله  { مما عملت أيدينا أنعاما } [  يس : 71 ] أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله { وخذ بيدك ضغثا } [ ص : 44 ]  قال فأما قوله {  لما خلقت بيدي } فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكره من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص إذ الشياطين والأباليس وجماعة الكفرة خلقهم الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله تعالى في قوله     لما خلقت بيدي    انتهى ( أي كلام البيهقي )   تنبيه      من هذا النمط حديث الترمذي وابن ماجه ( إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي حديث آخر ( إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده )  وحديث أحمد ومسلم ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسييء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل )  قيل بسط اليد استعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى ، ومن المتشابه القبضة واليمين في وقوله تعالى ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه  ) [ الزمر 67 ]   وحديث البخاري ومسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض )  وحديث مسلم ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ) الحديث     وحديث مسلم أيضا ( يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويبسطها أنا الملك )   قال البيهقي المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآي والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض  ، قال وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يراد به اليد واليد لله صفة بلا جارحة فكل موضع ذكرت فيه من الكتاب أو السنة فالمراد بذكرها تعلقها بالمكان المذكور معها من الطي والأخذ والقبض والبسط والقبول والإنفاق وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاه من غير مباشرة ولا مماسة وليس في ذلك تشبيه بحال ، وهذا مذهب الحنابلة ، قال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة     وقال بعض أهل التأويل كما في البيضاوي وغيره في الآية هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازا  ،  وقال بعضهم هو لبيان عظمة الله وجلاله وقدرته وأن المكونات كلها منقادة لإرادته ومسخرات بأمره ، وذهب آخرون إلى أن القبض قد يكون بمعنى الملك والقدرة كقولهم ما فلان إلا في قبضتي أي قدرتي ويقولون الأشياء في قبضة الله أي في ملكه وقدرته وعلى هذا التأويل مخرج الآية والحديث  ، ( تنبيه ) :  في حديث مسلم وغيره (( إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ))  قال النووي هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها ولا نتكلم بتأويل ونعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله تعالى أو تؤول على أن المراد بكونهم على اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة   وقوله (( وكلتا يديه يمين ))  فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين ، .. وقال الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله سبحانه من صفة اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف والله أعلم " [ أقاويل الثقات ج: 1 ص: 149إلى 158] أهـــ

 

 

المزيد

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 5 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 5 ) 

 

المزيد

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 6 )

الدين النصيحة

الدين النصيحة ( 2 ) نصيحتي إلى الشيخ مصطفى العدوي ( الجزء 6 ) 

المزيد

تفسير سورة الإخلاص كما يراها المتخصصون في علم العقيدة

مقالات

تفسير سورة الإخلاص كما يراها المتخصصون في علم العقيدة

هذه السورة العظيمة سورة الإخلاص : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، ثبت في الصحيحين أن قراءتها تعدل ثلث القرآن لذا وجب أن تكون من المحكمات وأن تشتمل على أعظم أصول الاعتقاد والتقديس وقد اجتهد اهل العلم بالأصول في بيان تلك الاول ومن ذلك

[ الأصل الأول ] : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  } : الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   } ، ( الأحدية ) لها معنى و ( الاحدية المطلقة ) لها معنى أوسع ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والانسان قدرته محدودة وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد جملة واحدة لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما ، (  الأحدية المطلقة ) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا  ولا حتى تصورها أو الفكر فيها  لأنه سبحانه ليس كمثله شيء والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن  ،  { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام 

[ الأصل الثاني ] : { اللَّهُ الصَّمَدُ  } : وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها  والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة  ،  (  الصمدية المطلقة ) : تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال  لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب  قال تعالى  : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  } ، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد  منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول : ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر ، فإن الاوامر ليس لها صور   

[ الأصل الثالث ]  { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  }  : وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء  وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث  { لَمْ يَلِدْ  }  لا ينفصل منه شيء  { وَلَمْ يُولَدْ   } منزه عن الحدوث  لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء  تقدس أن يكون منه شيء مخلوق  وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث

     

[ الأصل الرابع ] : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله  لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه  ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه  كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان  لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء   ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  تقدس أن يكون له مثيل او شبيه  ،  وكيف يكون له مثيل وهو وحده الاحد المطلق المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض  تقدس أن يكون له مثيل  ليس كمثله شيء  وليس كمثل وجوده وجود  موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان  وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان  وهو القاهر للمكان والزمان  وهو الخالق لقوانين المكان والزمان  والمكان محدود  والله منزه عن الحدود  فلا يحل المنزه عن الحدود في المحدود  تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه  وتقدس القديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني  سبحانه رب العالمين  ومن عداه عبد مربوب  سبحانه إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور   ،   هو الخالق البارئ المصور  ومن عداه مخلوق مصور  هو المصور خالق الصور والأشكال تقدس البارئ المصورُ أن يكون مُصَورا   والصور لا تنشأ إلا بالتركيب  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ   سبحانه الأحد الصمد منزه عن التركيب لأن الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة تمنعان من الأجزاء والأبعاض والأشكال والألوان والتخاطيط  وكل الصور إنما تنشأ باجتماع الأجزاء والألوان  والصور دليل على الخلق والحدوث  لذا تقدس المصورُ ان يكون مصورا وتقدس المركبُ أن يكون مركبا  وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها   يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة  ويستحيل عليه الحد والمقدار  ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء  ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان  ولا يجري عليه زمان   ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق  ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات بل هو القريب من كل خلقه ليس شيء منها عنه ببعيد  ويستحيل عليه التغير والحدوث  ويستحيل عليه حلول الحوادث في جناب ذاته لأنها صفات المخلوق  ويستحيل عليه الاتحاد مع شيء من خلقه ولا الحلول في شيء من خلقه  ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق  ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق  ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه  وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم عن جناب ذاته فهو باطل  ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام  لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو  ،

[ قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص ] : لقد استنبط العلماء من سورة الإخلاص حزمة من قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه  التي جعلتها تعدل ثلث القرآن ومن هذه القواعد :

[ القاعدة الأولى ] جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والحد ينافي الأحدية لأن الحد يعني النهاية في جهة من الجهات  وهذا يوجب الكثرة والانقسام  والأحد منزه عن الكثرة والانقسام  فلزم التنزيه عن الحد كما أنّ التناهي في جناب ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف الله تعالى به  ،  والشيء المحدود يمكن تصور ما هو أكبر منه   والله تعالى أكبر من كل تصور  وأكبر من كل حد  وأكبر من كل نهاية  وهو الكبير المتعال على الحدود  والنهايات  ،  والكمال المطلق أن لا يكون هناك حد ونهاية ينتهي إليها جناب ذاته وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه  كيف وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات  كيف وهو الواحد القهار  القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود  فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته  وكتب النهايات على كل محدود  ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها  ،  والقاعدة تقول  كل ما يقبل الحد  فهو محدود  والمحدود متناهي الذات  وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق   ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص   وتعالى الخالق عن أن يكون لذاته مخصص  لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال  لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ،

[ القاعدة الثانية  ]  : جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان وذلك لان المكان محدود  والله منزه عن الحدود  والمكان محدث مخلوق  والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته   سبحانه خلق المكان وقهر جميع خلقه بالكون في المكان  أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان   والكون في المكان ينافي الأحدية لأن الكائن في مكان يمينه غير شماله وأعلاه غير أسفله  وهذا يوجب الكثرة والانقسام  والأحد منزه عن الكثرة والانقسام  فلزم التنزيه عن  المكان  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن  والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء  وهو الباطن فليس دونه شيء  كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط   الله تعالى موجود بلا كيف  والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان  ليس كمثله شيء  له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان ،

[ القاعدة الثالثة ] : تقديس الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه  لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً  ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً  وكلا الحالين على الله محال  كما أن ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت  وهي إلى الفناء سائرة   قال تعالى : {  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ  } ،  فلا يصح مشابهة الفاني للباقي  ولا المخلوق للخالق الباري  قال سبحانه  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ    ومعنى الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه  وقال تعالى  : {  فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ } ،  أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ  وقال تعالى : {  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ،  أي لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه   وليس له مثال يقاس عليه  ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما  فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل سبحان الله عما يصفون

[ القاعدة الرابعة  ] : تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق  والجسم  هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء  وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره  قال تعالى  وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ   ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها  والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله  والجسمية تعارض الأحدية المطلقة  التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام  منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأن ذلك كله من  صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام  كما أنّ الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر  ويستحيل وصف جناب الذات بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم  الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص التي تنزه الله عنها ،

[ القاعدة الخامسة ] :  تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا  لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة   والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص  والمخصص هو الله تعالى المصور  وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور  والصورة تقتضي الكيفية  وهي عن جناب الذات منفية  لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة  وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث ،

[ القاعدة السادسة ] : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق   وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا  قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض  فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى : { اللَّهُ الصَّمَدُ } ، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل  أن كل جسم فهو مركب  وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره  فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا ،

[ القاعدة السابعة  ] :  تنزيه الله تعالى عن الوالد والولد  تقدس سبحانه عن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد  قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، سبحانه أحد صمد  لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء  تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق  بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء  الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق   أحد لا نظير له  صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء  سبحانه  ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد  ،

لهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن  وهذه المعاني التقديسية هي ما قال به السادة المتخصصون في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة جزاهم الله عن أمة النبي صلى الله عليه وسلم خير الجزاء إذا لولاهم لسار المسلمون خلف أهل الجهل وكانوا من الضالين اللهم اهدنا صراطك المستقيم وافتح علينا إنك أنت الفتاح العليم  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

 

 

المزيد

فهم المتخصصين في العقيدة لمعاني قوله تعالى : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء }

مقالات

فهم المتخصصين في العقيدة لمعاني قوله تعالى :  { ليسَ كَمِثلِهِ شيء }

الله تعالى : {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء } ، في هذه الآية تنزيه جناب ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، فالله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات في جناب ذاته ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء منها لكان مثله قديماً ، ولو أشبه هو شيئاً منها لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ،  جناب الذات قديم ، ومن اخص خصائص القديم أنه لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، كل المخلوقات تتصف بالنقص والعجز والحاجة لأنها مخلوقة محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ،  

قال تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، ويؤيد هذا النص نصوص عديدة منها قوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ،

(  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

{ ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية ، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو ، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها ، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات ، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لانها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات ، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا ، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات ، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب  كان جزءا من ذات ، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض ،  فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد ، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات ، وتكييف الذات ، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات ، وإلا زعموا اننا نعبد عدما ، قال تعالى : {  فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات : باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء ، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات ، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء ، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال ، الحركة والسكون ، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة ، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة ، قال العلماء : قوله تعالى  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ ،  

وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا } ، ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق صورة وشكل وحد ينتهي إليه ، وان يكون كذلك للخالق صورة وشكل وحد ينتهي إليه ولا يعلم ذلك كله إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من عدة أوجه ، [ الوجه الاول ] : أن الله تعالى أحد والأحدية المطلقة تمنع من قبول الاجزاء والابعاض والحدود والنهايات ، لان هذه كلها لا تكون إلا بقبول الأجزاء وتركيب الأجزاء والأحدية المطلقة تمنع من ذلك ،  (( الأحدية المطلقة )) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى  ، { اللَّهُ أَحَدٌ } معناها عند المتخصصين أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض  ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من اخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس  فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار  ولا فوق له ولا تحت  ولا أمام له ولا وراء  لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء  والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و [ الوجه الثاني ] أن الآية : { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } هذه الآية ، إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء} في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات ، والثاني باطل ، لان الله تعالى يقول : {  ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، فدلت الآية على أن نفي المثلية إنما هو في جناب الذات ، وليس الصفات ، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين  ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، وبالتالي تكون هذه الآية أقوى آية تقضي على كل أوهام الحشو والتجسيم ،  [ الوجه الثالث ] : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، وهي عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات مطلقة لا حد لها ولا نهاية ، وسع علمه جميع المعلومات فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات ،  أما الحدود والصور والأشكال فهي صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق المقهور في ذاته بتلك الهيئات ، ولا يوصف ربنا بصفات النقص والعجز وإنما بصفات الكمال ، [ الوجه الرابع ] : قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } يتناول نفي المساواة المتعلقة بجناب الذات من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء ، فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول نفي كل أوجه الشبه بين جناب الحق في ذاته وبين خلقه ، فلو كان يصح عليه الحركة او السكون لشابه مخلوقاته في ذلك ، ولو كانت تصح عليه الحدود والأشكال والصور والالوان لشابه خلقه في ذلك ولما صح الاستثناء المطلق في الآية ، فلو كان متحركا لحصل من يماثله في الحركة  فحينئذ يبطل معنى الآية ولا يصح الاستثناء ، فدل ذلك كله على ان نفي المثليه في قوله تعالى { ليس كمثله شيء } يتعلق بجناب الذات ،

{ ليس كمثله شيء } هو وحده ( واجب الوجود ) ، هو وحده ( الأزلي ) ، ( القديم ) ، ( الأبدي ) ، ( الباقي ) ، ( له وحده الكمال المطلق ) ،

( الكمال المطلق ) : لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان لم يكن كاملا ، والكمال المطلق يعني الثبات على الكمال ،  لأن التغير من صفات النقص ، والله منزه عن التغير وعن الحدوث وعن الزيادة وعن النقصان ، لان الكمال المطلق لا يقبل شيئا من ذلك ،

هو وحده القديم بجناب ذاته وصفاته ، كل صفاته قديمة ، له كمال العلم ، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان ، كل العلم حاضر عنده ، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ،  له كذلك كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات جملة واحدة ويميزها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد ، وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما ،

و صفات الكمال المطلق لله تعالى ، لا يحيط بها إلا من له الإطلاق وهو الله سبحانه وتعالى وحده ، ومن صفات الكمال المطلق لله تعالى : أنه هو الحي المطلق الذي له كمال الحياة ، وهو القيوم المطلق الذي قامت به الخلائق أجمعين ، وهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ يس :82 ] ، وهو الإله الذي بيده النفع والضر، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إذا لم يرد الله ذلك قال تعالى : {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[يونس : 107] ، 

( جناب الذات ) : واجب الوجود { ليس كمثله شيء } آخر بلا انتهاء ليس بعده بعد ، لأن إليه المنتهى ، وهو الأبدي الباقي ، كما أنه القديم الأزلي ، لا يأتي عليه الفناء لأن كل شيء هالك إلا وجه  ، قديم أزلي باقي أبدي يمتنع عليه الحد والغاية والبداية والنهاية لأن الحدود إنما تجري على مخلوقاته هو الذي حد الحدود  ، { ليس كمثله شيء }  واحد قهار قهر الوجود بقوانين تحكم الخلق ولكنها لا تجري على الخالق ، { ليس كمثله في جناب ذاته شيء } منزه عن كل ما يدل على الخلق والتصوير لأنه الخالق المصور ، منزه عن التغير والحدوث لأنه قديم ليس منه شيء محدث ولا تقبل ذاته التغير أو الحدوث ، لا تسعف الألفاظ ولا الجمل عند الحديث عن الله لأنه ليس كمثله شيء والألفاظ والجمل إنما هي وسائل للتعبير عن الإيمان بالله ولكنها لا تحيط بمعرفته لأنه المحيط بكل شيء (الذات)

( جناب الذات ) : ( القديم الأزلي )  { ليس كمثله شيء }  أول بلا ابتدأ ، لا أول لوجوده ، ومن خصائص القديم أنه مقدس عن التركيب لأن التركيب يفيد الحدوث ، وانه مقدس عن الحدود ، لان المحدود محدث ، أحدثه الذي خلقه وحده بهذا الحد والمقدار ،  وانه مقدس عن الصور والاشكال ، لان المصور محدث مركب ، وصاحب الشكل والصورة مخلوق ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } ، وأنه مقدس عن التغير ، لان المتغير محدث والمحدث ضد القدم ، والقديم ليس منه شيء حادث ، ولا يقبل الحادث ، ولو كان منه شيء حادث لكل حادثا ولو كان منه شيء حادث لقبل الفناء كما قبل الحدوث ، وانه مقدس عن الأجزاء والابعاض ، لأن ما له جزء مركب ، والمركب محدث ، والمحدث ليس بقديم ،

( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } وجوده سبحانه لذاته ، فيستحيل عليه العدم أزلاً وأبداً ، والوجود نوعان : واجب ، وممكن ، فالأول : وجود الله تعالى ، والثاني : وجود كل مخلوق سوى الله تعالى ، لأن كل مخلوق مسبوق بالعدم ، ويجوز أن يلحقه فناء  ، والأشياء في حكم العقل ثلاثة : واجب وجائز وممتنع ، فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم وهو الله ، والجائز : ما يقبل الوجود والعدم وهو كافة الخلق ، والممتنع : ما لا يقبل الوجود وهو الشريك لله ، و ( الله ) عز وجل هو واجب الوجود ، لأنه لولاه لما وُجدت الأكوان والخلائق ، كل الخلائق تعود إليه ، وكل الخلائق تحتاج إليه في وجودها وإمدادها ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود بذاته ) هو وحده الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة ولا يعني هذا الإطلاق أن ذلك اللفظ من أسمائه الحسنى ، بل المراد الإخبار عن حقيقة وجوده سبحانه ، وأنه غير متوقف على سبب ، ولا يجوز عليه العدم أزلاً وأبداً ، فالله عز وجل واجب الوجود لذاته ، قائم بنفسه ، غني عن خلقه ، لا ينفى ولا يبيد ، ولا يكون إلا ما يريد ، سبحانه ، وجوده أصلى ثابت لا يتغير  ، وجوده سبب لكل موجود سواه ، واجب الوجود بذاته : هو الموجود الذى وجوب وجوده من ذاته ولذاته ، لم يكتسب وجوده من أي شيء آخر ، واجب الوجود بذاته : هو الضروري الوجود الذى يترتب على عدم وجوده استحالة وجود أي شيء .. فهو الأزلي الأبدي ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود بذاته ) : كمال محض ، وحق محض ، لا مثل ولا ند ولا ضد له ، لا ينقسم لا بالكم ولا بالكيف برئ من كل نقص ، مرتبته فى الوجود لذاته هي مرتبة لا يشاركه فيها غيره ،  وهي وجوب الوجود ،

( جناب الذات ) : ( واجب الوجود ) غنى بنفسه ، موجود بنفسه ، لا أول لوجوده ، كان موجوداً منذ الأزل، بلا كيف ، لأنّه هو الذي كيّف الكيف، وأيّن الأين , فالكيف والأين والمتى لا تجري عليه تعالى ، فهي تجري على خلقه ، لأنّها من جملة خلقه ،

( جناب الذات ) : { ليس كمثله شيء } ، فليس بمادة ولا بجسم ،  لأن كل جسم لا ينفك عن الأكوان الأربعة وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، وهي حادثة لتغيرها وتبدلها، وما لا ينفك عن الحوادث يكون محدثا فيلزم حدوث الله وقد ثبت أنه واجب الوجود لذاته فلا يجوز أن يكون جسماً ، ولأن الجسم مركب وهو محتاج إلى أبعاضه وإلى فاعل يركبه فيكون واجب الوجود محتاجاً ومفعولاً ويكون ممكناً، وقد ثبت بالضرورة أنه واجب فلا يجوز أن يكون جسماً ، والله تعالى ليس في حيز ولا جهة ولا محل ، وإنه تعالى لا يحويه مكان ، لأنه لو كان في مكان لاحتاج إليه وكان مسبوقاً به وقد ثبت قدمه وغناه فلا يجوز أن يكون محتاجاً ومسبوقاً بغيره ، ولا يخلو منه مكان ، لأنه عالم بكل كائن محيط بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء محيط ، ولأن ذلك يقتضي حصره وتناهيه ويلزم أن يكون في حيز فيكون في جهة، ولا يكون في جهة إلا جسم أو بعض جسم أو عرض أو ما في حكم العرض، وقد ثبت أن الخالق ليس لجسم ولا عرض ولا في حكمها فلا يجوز أن يحل في مكان أو في غيره من مخلوقاته ،

( جناب الذات ) : له الإطلاق الوجودي :  ومعناه أن الله سبحانه له الكمال في مقام ذاته المطلقة الحاضرة عند كل شيء ، إذ لا يغيب عن أي شيء ،  وهو بكل شيء محيط ، وهو من كل خلقه قريب ليس احد منهم عنه ببعيد ، ولكن عقولنا قاصرة عن إدراك وجود الله ، { ليس كمثله شيء } في وجوده ولا في جناب ذاته ،

( جناب الذات ) : واجباً لذاته ، والواجب بالذات يمتنع عليه العدم ويستحيل عليه الفناء ، ويمتنع عليه الاحتياج لان له كمال الغني : { والله هو الغني الحميد } ،  ولا يجوز عليه التركيب ،  لأن المركب مفتقر إلى أجزائه المغايرة له ، فيكون ممكناً ، والممكن لا يكون واجباً لذاته ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الحد والمقدار ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الحدوث أو الفناء ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، وعن لوازم الجسمية كالصور والأشكال والجوارح والأجزاء والابعاض والأعضاء ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الوالد والولد والصاحبة ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الند والشبيه والكف والمثيل ، ومن خصائص واجب الوجود : أنه منزه عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ،

( جناب الذات ) : غيب الغيوب { ليس كمثله شيء } ، معرفة جناب الذات تسمو على العقل والإدراك ،  وقد حجب الحق تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة  ذات الله تعالى ولا أن يحيط به ( سبحانه وتعالى ) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وقال تعالى ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) ، وقال تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) فالإيمان بذات الله تعالى ، يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل أو ند أو شريك ، مع الاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن الاحاطة علما بجناب الذات ،

( جناب الذات ) : يسمو على العقل والإدراك ، فليس هو مادة لها حجم وكتلة ومقدار وصورة وأشكال والوان ، وليس هو طاقة لا علم لها ولا إدراك ، ( جناب الذات ) : غيب الغيوب ، وهو ( الغيب المطلق ) المنزه عن الحدود والغايات ، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه [ اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن ] : ( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ) أهــ ، 

( جناب الذات ) : ذات حقيقي يتصف بكل صفات الكمال والجلال والجمال والإكرام ، ( جناب الذات ) : له الاسماء الحسنى الكاملة والصفات العلا القديمة ، الأسماء والصفات ترجع إلى جناب الذات ، والصفة لا تعمل بنفسها بل هي قائمة بالموصوف تابعة له ، وجناب الذات أزلي ابدي قديم باق أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء ، لا حد ولا غاية ولا أول ولا نهاية ، وهكذا الصفات تابعة لجناب الذات قديمة أزلية لا تدرج فيها ولا حدوث بل هي تامة كاملة الكمال المطلق ، محال أن تقبل الزيادة أو النقصان ، لأنها لو قبلت الزيادة كانت قبل الزيادة نقصا ، ولو قبلت النقص لم يكن الذات إلها له كمال الذات والصفات ،

( جناب الذات ) منزه عن الحد والوصف ، لا تدركه الحدود ولا الغايات لأنه ليس له ابتداء فيدرك وليس له انتهاء فيحاط به ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، 

( جناب الذات ) : له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، لان المكان محدود والله فوق الحدود ، ولان المكان محدث والمحدث لا يحيط بالقديم ، ولان المكان مخلوق والمخلوق لا يقهر الخالق ، المكان يحيط بمن فيه والله بكل شيء محيط ، والمكان يحيز من بداخله ويحويه ، والله تعالى وتنزه عن الحيز والحد ، والمكان اكبر من الذي بداخله والله أكبر من كل كبير ، و ( الله ) لا يجري عليه زمان ، لأن الزمان قاهر لمن يجري عليه بماض وحاضر ومستقبل لا يخرج المخلوق عن قهر الزمان ، والله هو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،

( جناب الذات ) : منزه عن المكان والزمان  ، و ( المكان والزمان ) مخلوقان ليس لهما وجود أزلي ، بل وجدا عندما اوجد الله الاكوان ، فوجود الاكوان أوجد المكان وحركة الاكوان أنتجت الزمان ، وقبل خلق الأكوان لم يكن هناك مكان ولا زمان ، و ( الله ) أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ،

( جناب الذات ) : أزلي ليس مسبوقا بوجود ولا عدم وكان ولا شيء غيره ، أول بلا ابتداء ، فلا يقبل الحدوث ، و ( جناب الذات ) : أبدي ليس له نهاية ، فلا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم]  ،

[ جناب الذات الإلهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ] : لا يشبه شيء من خلقه فلا يشبه الأجسام الكثيفة ولا الأجسام اللّطيفة ولا يوصف بصفات الأجسام فلا يوصف بالحركة والسّكون والجهة والمكان واللّون والتّغير والانفعال والاستقرار والجلوس ، أما رفع الأيدي إلى السّماء فلأنّها قبلة الدّعاء ومهبط الرَّحمات ، فالله موجود قبل السّماء والعرش وقبلَ جميع المخلوقات فلا يسكن السّماء ولا العرشَ ولَيسَ في كلّ مكان بل هو مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ،

قال الشيخ فخر الدين بن عساكر : - في درة من درر التقديس : ( موجود قبل الخلقِ ، ليس له قبل ولا بعد ، ولا فوق ولا تحت  ، ولا يَمين ولا شمال ، ولا أمام ولا خلف ، ولا كلٌّ ، ولا بعض. ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ ، كان ولا مكان ، كوَّنَ الَأكوانَ ودبَّر الزمانَ ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان ، ولا يشغلُه شأن عن شأن ، ولا يلحقُه وهم ، ولا يكتَنِفُه عقل ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ ، ولا يتمثلُ في النفسِ ، ولا يتصورُ في الوهمِ ، ولا يتكيَّفُ في العقلِ ، لا تَلحقُه الَأوهامُ والَأفكارُ ،   { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } انتهى كلامه ، وهو درة من درر التسبيح والتقديس

( جناب الذات ) : له الغنى المطلق ، مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً ، هو الإله الحق الذي أوجد هذا العالم كلَّه  ، والعالم كلُّه بحاجَة إلى الله تعالى ليحفظ عليه وجودَه ، تنزَّه عن الكيفيّات ، موجود بلا كيف ولا مكان ، كَانَ وَلا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ  ، خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارا لقُدْرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذه مَكَانا لِذَاتِهِ ، يستحيل على جناب الحق : المكان لأن من له مكان يكون جسماً مخلوقا مصورا ، له حدود ومساحة وأبعاد ويحتاج إلى من يجعله بهذا الحجم وهذا المقدار والحد ، ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الحيز ، لان كل متحيز متناه ، وكل متناه محدث والباري قديم أزلي ليس بمحدث ولا يقبل الحدوث ، قال العارفون : ( فمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلُهنا محدود فقَدْ جَهِلَ الخَالِقَ الْمَعْبُود ، تَعَالىَ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ  وَالَأرْكَانِ وَالَأعْضَاءِ وَالَأدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ الستُّ كَسَائرِ المبُتَدَعَاتِ ) ، وكذلك يستحيل على الله تعالى : الصورة والهيئة والشكل والحجم والمقدار والحركة والسُّكون والألوان والطعوم والاجتماع والافتراق والاتصال والانفصال ،

( جناب الذات ) :  غيب الغيوب ، لا يدرك ، يستحيل على المخلوق المحدود ان يدرك المنزه عن الحدود ، فلا يمكن أن ندركه كما هو ، ومحال أن نحيط به علما ، لأنه فوق الحدود ،  ولأنه القديم الازلي الابدي فلاحد ولا غاية ، وإذا استحال معرفة الروح وهي معك لا تفارقك ، فأقصر عن طلب المحال ، لان ( جناب الذات ) :  غيب لا يدرك ، لأنه فوق إدراك المخلوق ،  وهناك فرق كبير بين الاحاطة بجناب الذات وبين العلم بها ، فالإحاطة مستحيلة ، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، أم العلم بها وما به تقديسها وتنزيهها والعلم بأسمائها وصفاتها وأفعالها ، وكمالها المطلق ، فهذا أشرف العلوم ، وأحمد العلوم ، واحسن العلوم ، لأنه العلم المتعلق بالله ،

( المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ) : الإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ، والكلام في ذات الله تعالى لا يزيد إلا تحيراً ، والله تعالى لم يطلع العقول على جناب ذاته ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، لأننا محاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية وأفكارنا محدودة محصورة بنوع من التفكير ، يستحيل علينا إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،

( جناب الذات ) : لا تدركه الحدود ولا الغايات لأنه ليس له ابتداء فيدرك وليس له انتهاء فيحاط به ، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية ، له الوجود الحق المطلق ، وجود منزه عن إحاطة المكان ومنزه عن جريان الزمان ، لأنهما من مخلوقاته ، كان قبل المكان والزمان ، وهو على ما عليه كان ، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ،  ولا يجري عليه زمان ، لأن الزمان قاهر لمن يجري عليه بماض وحاضر ومستقبل لا يخرج المخلوق عن قهر الزمان ، والله هو هو الواحد القهار ، الكل منكشف عليه منذ الازل ، جميع المعلومات منذ الازل وإلى الابد منكشفة على علمه الكامل القديم ، وجميع المبصرات منكشفة على بصره الكامل القديم ، وجميع المسموعات منكشفة على سمعه الكامل القديم ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو بكل شيء محيط ، لا يغيب عنه شيء ،

( جناب الذات ) : أسمى من أن يحده مكان أو يجري عليه زمان ، ليس له فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، أحد مطلق لا كل ولا جزء ، لان الكل يوجد بأجزائه ويحتاج إليها ، والله هو الغني الحميد ، والجزء يكمل ببقية الأجزاء ، والله هو الفرد الصمد المنزه عن التركيب ، والأجزاء والابعاض سمة المخلوقات المحدثات ، وهو سبحانه من كماله لا يغيب عن شيء من مخلوقاته أقرب إلى خلقه من ذواتهم ، ليس أحد منهم عنه ببعيد ، وهو بكل شيء محيط ، وهو على كل شيء شهيد ، وهو المبدئ المعيد وهو الغفور الودود ، فعال لما يريد ،

( جناب الذات ) : أزلي ليس مسبوقا بوجود ولا عدم وكان ولا شيء غيره ، أول بلا ابتداء ، فلا يقبل الحدوث ، و ( جناب الذات ) : أبدي ليس له نهاية ، فلا يقبل العدم ، قديم باقي ، هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  } وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم ]  ،   يجب الإيمان بالله على ما يليق به وأنّه مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ، مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً فلا يحتاج تعالى إلى جهة ولا إلى مكان يقوم به أو إلى شيء يَحلّ به ،

( جناب الذات ) :  غيب الغيوب ، لا يدرك ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، وقال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ، فالكلام عن جناب ذات الله تعالى لا يزيد إلا تحيراً ، والله تعالى لم يطلع العقول على جناب ذاته ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،

مصادر العلم بـ ( جناب الذات ) : يكون بمعرفة أسمائه الحسنى الدالة على صفاته العلا ، له الأسماء الحسنى التي لا عد ولا حصر ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ رواه أحمد في مسنده (3784) والحاكم في مستدركه ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ،  ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، والمصدر الثاني هو العلم بقواعد التقديس التي تمنع من بدعة الحشو عند الحديث عن جناب الحق سبحانه ،

[ 1 ]  ( شرح موجز لمعاني الأسماء الحسنى ) :

( الله ) : اسم دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها ، و ( الرحمن ) : واسع الرحمة لخلقه مؤمنهم وكافرهم في معاشهم ومعادهم ، و ( الرحيم ) : المعطي من الثواب أضعاف العمل ، ولا يضيع لعاملٍ عملاً ، و ( الملك ) : المتصرف في ملكه كما يشاء ، والمستغني بنفسه عما سواه ، و ( القدوس ) : المنزه عن كل وصف يدركه حس أو خيال الطاهر المطهر عن الآفات ، و ( السلام ) : السالم من العيوب والنقائص الناشر سلامته على خلقه ، و ( المؤمن ) : المصدق نفسه وكتبه ورسله فيما بلغوه عنه المؤمن عباده من الخوف ، و ( المهيمن ) : المسيطر على كل شئ بكمال قدرته ، القائم على خلقه ، و ( العزيز ) : الغالب الذي لا نضير له وتشتد الحاجة إليه ، و ( الجبار ) : المنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ، و ( المتكبر ) : المتفرد بصفات العظمة والكبرياء ، المتكبر عن النقص والحاجة ، و ( الخالق ) : المبدع لخلقه بإرادته على غير مثال سابق ، و ( البارئ ) : المميز لخلقه بالأشكال المختلفة بريئة من التفاوت وعدم التناسب. ، و ( المصور ) : الذي أعطى لكل خلقٍ صورةً خاصة وهيئةً منفردة ، و ( الغفار ) : الذي يستر القبيح في الدنيا ، ويتجاوز عنه في الآخرة ، و ( القهار ) : الذي يقهر الجبابرة بالإماتة والإذلال ، ولا مرد لحكمه ، و ( الوهاب ) : المتفضل بالعطايا ،المنعم بها دون استحقاق عليها  ، و ( الرزاق ) : خالق الأرزاق ، المتكفل بإيصالها إلى خلقه  ، و ( الفتاح ) : الذي يفتح خزائن رحمته لعباده ، ويعلي الحق ويخزي الباطل  ، و ( العليم ) : المحيط علمه بكل شئ ، ولا تخفي عليه خافيه  ، و ( القابض ) : قابض بِرّهُ عمن يشاء من عباده حسب إرادته ،  و ( الباسط ) : ناشر بِرّهُ على من يشاء من عباده حسب إرادته  ، و ( الخافض ) : الذي يخفض الكفار بالأشقياء ويخفضهم على دركات الجحيم  ، و ( الرافع ) : الرافع المُعلّي للأقدار ، يرفع أولياءهُ بالتقريب في الدنيا والآخرة ، و ( المعز ) : المعز المؤمنين بطاعته ، الغافر لهم برحمته المانح لهم دار كرامته ، و ( المذل ) : مذل الكافرين بعصيانهم ، مبوأ لهم دار عقوبته  ، و ( السميع ) : الذي لا يغيب عنه مسموع وإن خَفِيَ ، يعلم السر وأخفى  ، و ( البصير ) : الذي يشاهد جميع الموجودات ولا تخفى عليه خافيه  ، و ( الحكم ) : الذي إليه الحكم ولا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ، و ( العدل ) : الذي ليس في قوله أو ملكه خلل ، الكامل في عدالته  ، و ( اللطيف ) : البَرُّ بعباده ، العالم بخفايا أُمورهم ، ولا تدركُهُ حواسهم ، و ( الخبير ) : العالم بكل شئ ظاهره وباطنه ، فلا يحدثُ شئٌ إلا بخبرته  ، و ( الحليم ) : الذي لا يعجل الانتقام عجلةً وطيشاً مع غاية الاقتدار  ، و ( العظيم ) : الذي لا تصل العقول إلى كُنْهِ ذاته وليس لعظمته بداية ولا نهاية  ، و ( الغفور ) : الذي لا يؤاخذ على ذنوب التائبين ، ويبدل السيئات حسنات  ،  و ( الشكور ) : المنعم على عباده بالثواب الجزيل على العمل القليل بلا حاجةٍ منه إليه. ،  و ( العليُّ ) : الذي علا بذاته وصفاته على مدارك الخلق وحواسهم  ، و ( الكبير ) : ذو الكبرياء والعظمة المتنزه عن أوهام خلقه ومداركهم  ، و ( الحفيظ ) : حافظ الكون من الخلل وحافظ أعمال عباده للجزاء وحافظ كتابه. ، و ( المقيت ) : خالق الأقوات موصلها للأبدان ، وإلى القلوب الحكمة المعرفة ، و ( الحسيب ) : الذي يكفي عباده حاجاتهم ويحاسبهم بأعمالهم يوم القيامة ، و ( الجليل ) : عظيم القدرة بجلاله وكماله في ذاته وجميع صفاته ، و ( الكريم ) : الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وإذا وعد وفي  ، و ( الرقيب ) : الملاحظ لما يرعاه ملاحظة تامة دائمة ولا يغفل عنه أبدا ، و ( المجيب ) : الذي يجيب الداعي إذا دعاهُ ويتفضل قبل الدعاء ، و ( الواسع ) : الذي وسع كُرْسِيُّهُ ورحمتُهُ ورزقه جميع خلقه  ، و ( الحكيم ) : المنزه عن فعل مالا ينبغي ، ومالا يليق بجلاله وكماله  ، و ( الودود ) : المتحبب إلى خلقه بمعرفته وعفوه ورحمته ورزقه وكفايته  ، و ( المجيد ) : الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله ، و ( الباعث ) : باعث الموتى للحساب والجزاء وباعث رسله إلى خلقه  ، و ( الشهيد ) : العالم بالأمور الظاهرة والباطنة المُبيِّن وحدانيته بالدلائل الواضحة . ، و ( الحق ) : حالق كل شئ بحكمة باعث من في القبور للجزاء والحساب ، و ( الوكيل ) : الموكولُ إليه الأمور والمصالح ، المعتمد عليه عباده في حاجاتهم . ، و ( القوي ) : ذو القدرة التامة الكاملة ، فلا يعجز عن شئ بحال ، و ( المتين ) : الثابت الذي لا يتزلزل ، والعزيز الذي لا يغلب ، فلا يعجز بحال . ، و ( الولي ) : المحب أولياءه الناصر لهم ، المذل أعداءهُ في الدنيا والآخرة ، و ( الحميد ) : المستحق للحمد والثناء لجلال ذاته وعلو صفاته وعظيم قدرته .، و ( المحصي ) : الذي لا يفُوتُهُ دقيق ولا يعجزهُ جليل ، ولا يشغله شئ عن شئ . ، و ( المبدئ ) : الذي بدأ الخلق وأوجده من العدم على غير مثال سابق ، و ( المعيد ) : الذي يعيد الخلق إلى الموت ثم يعيدهم للحياة للحساب ، و ( المحيي ) : الذي يحيي الأجسام بإجاد الروح فيها ، و ( المميت ) : الذي يميت الأجسام بنزع الرواح منها ، و ( الحي ) : المتصف بالحياة الأبدية ، فهو الباقي أزلاً وأبداً ، و ( القيوم ) : القَيِّمُ على كل شئٍ بالرعاية له وتقوم الأشياء وتدوم به  ، و ( الواجد ) : الذي يَجدُ كل ما يطلبه ويريده ، ولا يضل عنه شئ ، و ( الماجد ) : كثير الإحسان والأفضال، أو ذو المجد والشرف التام الكامل ، و ( الواحد ) : المتفرد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً بالألوهية والربوبية ، و ( الصمد ) : السيد المقصود بالحوائج على الدوام ، العظيم القدرة ، و ( القادر ) : المتفرد باختراع الموجودات المستغني عن معونة غيره بلا عجز ، و ( المقتدر ) : الذي يقدر على ما يشاء ، ولا يمتنع عليه شئ ، و ( المقدم ) : مقدم أنبِياءَهُ وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم معطيهم عوالي الرتب ، و ( المؤخر ) : مؤخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم ، و ( الأول ) : السابق للأشياء كلها الموجود أولاً ولا شئ قبله  ، و ( الآخر ) : الباقي بعد فناء خلقه جميعهم ولا نهاية له  ، و ( الظاهر ) : الظاهر بآياته وعلامات قدرته ، المطلع على ما ظهر من خلقه  ، و ( الباطن ) : المحتجب عن أنظار الخلق المطلع على ما بطن من خلقه ، و ( الوالي ) : المتولي للأشياء المتصرف فيها بمشيئته وحكمته وينفذ فيها أمره ، و ( المتعالي ) : المتنزه عن صفات المخلوقين المرتفع عن صفات الناقصين ، و ( البَرُّ ) : الذي لا يصدر عنه القبيح العطوف على عباده المحسن إليهم ، و ( التواب ) : الذي يُيَسر للعصاه طريق التوبة ويقبلها منهم ويعفو عنهم  ، و ( المنتقم ) : معاقب العصاه على أعمالهم وأقوالهم على قدر استحقاقهم  ، و ( العفو ) : الذي يصفح عن الذنوب ، ويترك مجازاة المسيئين إذا تابوا  ، و ( الرءوف ) : المنعم على عباده بالتوبة والمغفرة ، العاطف عليهم برأفته ورحمته . ، و ( مالك الملك ) : القادر تام القدرة ، فلا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه  ، و ( ذو الجلال والإكرام ) : صاحب الشرف والجلال والكمال في الصفات والأفعال . ، و ( المسقط ) : العادل في حكمه ، المنتصف للمظلومين من الظالم بلا حيف أو جور .، و ( الجامع ) : جامع الخلق يوم القيامة للحساب والجزاء ، و ( الغني ) : المستغني عن كل ما عداه ، المفتقر إليه من سواه ، و ( المُغني ) : يُغني بفضله من يشاء من عباده ، وكل غني يرجع إليه ، و ( المانع ) : الذي يمنع بفضله من استحق المنع ويمنع أولياءه من الكافرين ، و ( الضار ) : الذي يُنزل الضر على من يشاء من عباده بالعقاب وغيره ، و ( النافع ) : الذي يعم جميع خلقه بالخير ويزيد لمن يشاء ، و ( النور ) : المنزه عن كل عيب المُنوِّر ذا العماية ، المرشد الغاوين ، و ( الهادي ) : هادي القلوب إلى الحق وما فبه صلاحها ديناً ودُنيا  ، و ( البديع ) : خالق الأشياء بلا مثالٍ سابق ، ولا نظير له في ذاته وصفاته ، و ( الباقي ) : دائم الوجود بلا انتهاء ، ولا يقبل الفناء ، و ( الوارث ) : الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاَّك  ، و ( الرشيد ) : الذي أرشد الخلق وهداهم إلى مصالحهم ويُصَرَّفهم بحكمته ، و ( الصبور ) : الذي لا يُعاجل بالعقوبة ، فيمهل ولا يهمل

***

[ 2 ] قواعد التقديس المتعلقة بجناب الله

[  1  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان ، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهو القائل : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، سبحانه قاهر للزمان ، ولو شاء أوقفه وأفناه ،  سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[  2  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار : فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار ، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام ، وعند  كل حركة وانتقال ، وفي جميع الاذكار ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق ، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ،

[  3  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان : المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان ، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وليس المكان ،  ومثاله : حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة ، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  4  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة  ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولا له كفء ولا شبيه ، وليس له مثال يقاس عليه ، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

[  5  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن الحدوث أو الفناء ، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق : الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، فإن الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[  6  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق : لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[  7  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[  8  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات : لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[  9  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد بشيء من خلقه ، وعن الحلول بشيء من خلقه ، وعن الاتصال أو الانفصال بشيء من خلقه ، لأنّ ذلك صفات المخلوق : وبيان ذلك  أنه ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والحلول في المواضع والأماكن عرض لا يقوم به إلا من يقبل الحوادث ، وقبول الحوادث لا يليق بقديم الذات الصفات ، كما أن الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[  10  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق : الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[  11  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[  12  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

[  13  ]  حاجتنا إلى علم التقديس :  الموجودات ثلاثة :  ( الأول ) :  أزلي أبدي : وهو الله تعالى فقط ، لا بداية ولا نهاية لوجوده  ، لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ، و ( الثاني ) أبدي لا أزلي : له بداية ولا نهاية له وهو الجنة والنار فهما مخلوقتان ، أي لهما بداية إلاّ أنه لا نهاية لهما أي أبديتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما ، و ( الثالث ) لا أزلي ولا أبدي : محدث فان له بداية وله نهاية وهو كل ما في هذه الدنيا الفانية ،  كما أنّ أحكام العقل ثلاثة : ( الأول ) : الواجب العقلي: هو ما لا يتصور في العقل عدمه أو ما لا يقبل الانتفاء لذاته وهو وجود الله تعالى بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، و ( الثاني ) المستحيل العقلي : هو ما لا يتصور في العقل وجوده كوجود الشريك لله تعالى  ، و ( الثالث ) الجائز العقلي : وهو ما يقبل الوجود والعدم ، وهو سائر الخلق ،  والصفات الواجبة في حقه تعالى ثلاث عشرة صفة ، الوُجود ، والقِدَم ، والمخالفة للحوادث ، والبقاء ، وقيامه بنفسه ، والحياة ، والوحدانية ، والقدرة ، والعِلْم ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والصفات المستحيلة في حق الله تعالى أضدادها ، واجب الوجود فيستحيل في حقه العدم ، قديم الذات والأسماء والصفات فيستحيل عليه الحدوث أو التغير أو الأفول أو قبول الحوادث ، ليس كمثله شيء فيستحيل في حقه مشابهة الحوادث ، هو الباقي فيستحيل في حقه الفناء  ، وهو القيوم ، قائم بذاته فيستحيل في حقه الاحتياج ، له كمال الحياة فيستحيل في حقه السنة والنوم والموت ، إله واحد لا شريك له فيستحيل في حقه الشريك ، وهو على كل شيء قدير فيستحيل في حقه العجز ، وهو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه  الجهل والنسيان ، له سبحانه كمال الإرادة والمشيئة فيستحيل في حقه القهر والجبر ، سميع له كمال السمع فيستحيل في حقه الصمم أو اختلاط الأصوات ، بصير له كمال البصر فيستحيل في حقه العمى واختلاط المبصرات ، متكلم  له صفة الكلام ، وهي صفة ذاتية قديمة فيستحيل في حقه العي والبكم وانتهاء الكلمات ، سبحانه : { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، لا جزء له ، ولا كل ، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة ، والله تعالى أحد : لا يمين له ولا يسار له ، ولا فوق له ، ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، { صمد } يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، بائن من خلقه ، كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، تقدس أن يكون له مثيل او شبيه ، هو الخالق ومن عداه مخلوق ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء ، وتقدس عن قبول الحوادث ، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما ، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث ، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء ، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض ، تعالى منزه عن الحدود ، وتقدس أن يقهره حد أو يحده مقدار ، وهو الذي قهر خلقه بالحدود والمقادير ، تقدس المحدد أن يكون محددا ، وتنزه المقدر أن يكون مقدرا ، وجل القاهر أن يكون مقهورا ، وهو القاهر لكل شيء ، ومن عداه مقهور لحكمه وقضائه ، ، تقدس أن يكون له مثيل ، ليس كمثله شيء ، من عداه متماثل في الخلق والحدوث والفناء ، ليس كمثل وجوده وجود ، موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان ، كيف وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان ، كيف وهو القاهر للمكان والزمان ، كيف وهو الخالق لقوانين المكان والزمان ، والمكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، فهل يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، وهو سبحانه منزه عن الاتحاد والحلول ، إذ تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه ، وأنى للقديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني ، سبحانه رب العالمين ، ومن عداه عبد مربوب ، إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور ، هو الخالق البارئ المصور ، ومن عداه مخلوق مصور ، تقدس المصور أن يكون مصورا  ، والصور لا تنشأ إلا بالتركيب ، { في أي صورة ما شاء ركبك }  ، والأحد منزه عن التركيب ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الأجزاء والأبعاض والأشكال والألوان والتخاطيط ، والصور إنما تنشأ باجتماع الأجزاء والألوان ، والصور دليل على الخلق والحدوث ، لذا تقدس المصور ان يكون مصورا وتقدس المركب أن يكون مركبا ، وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها ،  يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ،  لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو ،

[  14  ]  ما أشد حاجة المسلمين إلى التجديد في ( علم التقديس ) أو ( علم توحيد الذات ) أو ( علم التنزيه ) أو قل إن شئت ( علم التسبيح ) :  وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه ، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة ، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل ، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم ، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس ، فإن العامة بمعزل عن تصور هذا العلم يجهلونه الجهل البسيط ، وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، والعامة  يجهلونه الجهل البسيط ، لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، فإنه يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،  إن المقصود الرئيس من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }،  وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، ويتصدرون للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، 

[  15  ]  وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة : يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأنها  تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ آية الكرسي ] ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع وشرح قواعد التقديس في  كتاب التجديد الأول ( التجديد في علم التقديس ) ، وأهم تلك القواعد : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ،  القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ،  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، لقاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكفء والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية المؤمنين لجناب ذات الله تعالى في الجنة ، وهذا الكتاب موجود على موقع : دار الإصلاح والتجديد على شبكة النت ،

[  16  ]  رؤية جناب ذات الله تعالى في الآخرة : اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح  ،  فمن الأدلة على رؤية الله سبحانه من كتاب الله تعالى : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] والمزيد في هذه الآية هو النظر إلى الله تعالى ،  وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ،  وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، كما أن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، كما أنّ رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً ، لأن الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى ، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ، وأبرز أدلتهم : أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  كما أنهم يقولون : أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، ونقول : الرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  و المانعون من الرؤية يستدلون بقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرب الرحمن ، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار ، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه ، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة المنزه عن الحدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا ، فيرونه وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ، ولا مسافة ، نراه بقدرته بلا كيف ، سبحانه ليس كمثله شيء ، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم ، اللهم آمين ،

 

المزيد

الدين النصيحة 3 نصيحتي إلى الشيخ الفاضل يوسف القرضاوي الجزء الأول

الدين النصيحه

الدين النصيحة 3 نصيحتي إلى الشيخ الفاضل يوسف القرضاوي الجزء الأول

المزيد

الدين النصيحة 3 نصيحتي إلى الشيخ الفاضل يوسف القرضاوي الجزء الثانى

الدين النصيحه

الدين النصيحة 3 نصيحتي إلى الشيخ الفاضل يوسف القرضاوي الجزء الثانى

المزيد

علاقة الأسماء والصفات والأفعال بجناب الذات تعالى وتقدس

مقالات

من درر علوم المتخصصين في العقيدة علاقة الأسماء والصفات والأفعال بجناب الذات تعالى وتقدس

[ جناب الذات الإلهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ] : هو سبحانه خالق الأجسام الكثيفة كالإنسان والسّماوات والأرض وخالق الأجسام اللّطيفة كالنّور والظّلام والرّوح والملائكة ، وهو سبحانه خالق صفات الأجسام كالصور والأشكال والتخاطيط والالوان ، والله لا يشبه شيء من خلقه فلا يشبه الأجسام الكثيفة ولا الأجسام اللّطيفة ولا يوصف بصفات الأجسام فلا يوصف بالحركة والسّكون والجهة والمكان ، ولا يوصف بالتّغير والانفعال مَوْجُود بِلا كَيْف وَلا مَكَان ولا يجري عليه زمان ،  قال الشيخ فخر الدين بن عساكر في واحدة من أجمل درر التسبيح والتقديس والتنزيه : ( موجود قبل الخلقِ ، ليس له قبل ولا بعد ، ولا فوق ولا تحت  ، ولا يَمين ولا شمال ، ولا أمام ولا خلف ، ولا كلٌّ ، ولا بعض. ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ ، كان ولا مكان ، كوَّنَ الَأكوانَ ودبَّر الزمانَ ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان ، ولا يشغلُه شأن عن شأن ، ولا يلحقُه وهم ، ولا يكتَنِفُه عقل ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ ، ولا يتمثلُ في النفسِ ، ولا يتصورُ في الوهمِ ، ولا يتكيَّفُ في العقلِ ، لا تَلحقُه الَأوهامُ والَأفكارُ ،   { ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } انتهى ، سبحانه مستغن عن كل ما سواه أزلا وأبداً فلا يحتاج تعالى إلى جهة ولا إلى مكان ،، قال اهل العرفان : ( كَانَ اللّه وَلا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ  ) ، وقالوا ولله درهم  : ( إنَّ الله خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارا لقُدْرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذه مَكَانا لِذَاتِهِ ) ، يستحيل على جناب ذاته : الصورة والشكل والحجم والمقدار والحركة والسُّكون والألوان والاتصال والانفصال ، يقول الإمام أبو جعفر  الطحاوي في عقيدته الطحاوية : ( تَعَالىَ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ  وَالَأرْكَانِ وَالَأعْضَاءِ وَالَأدَوَاتِ وَلا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ الستُّ كَسَائرِ المبُتَدَعَاتِ ) ، والجهات الست هي:  فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد ،

( جناب الذات ) :  غيب الغيوب ، لا يدرك ، يستحيل على المخلوق المحدود ان يدرك المنزه عن الحدود ، فلا يمكن أن ندركه كما هو ، ومحال أن نحيط به علما ، لأنه فوق الحدود ،  ولأنه القديم الازلي الابدي فلاحد ولا غاية ، وإذا استحال معرفة الروح وهي معك لا تفارقك ، فأقصر عن طلب المحال ، لان ( جناب الذات ) :  غيب لا يدرك ، لأنه فوق إدراك المخلوق ،

( جناب الذات ) : هناك فرق بين الاحاطة بجناب الذات وبين العلم بها ، فالإحاطة مستحيلة ، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود ، قال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، أم العلم بها وما به تقديسها وتنزيهها والعلم بأسمائها وصفاتها وأفعالها ، وكمالها المطلق ، فهذا أشرف العلوم ، وأحمد العلوم ، واحسن العلوم ، وهو العلم بالله ، والذي ليس فوقه علم للخلائق محمود إلا ما كان من جنسه ويفوقه في العلم بالله ،

المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة : الإنسان مهما أوتي من علم ، علمه محدود لأنه محدود ، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود ، ولا يستطيع الوقوف على كنهه ، لأن جناب الذات لا يحاط بها ولا يعرف كنهها ، لا في الذهن ولا في الخارج ، لأنه سبحانه مطلق ، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود ، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود ، قال تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } [ طه: 11 ] ،

الكلام في ذات الله تعالى لا يزيد إلا تحيراً ، والله تعالى لم يطلع العقول على جناب ذاته ، وفي نفس الوقت لم يحجبها عن واجب معرفته ، فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله فهناك مقدار واجب من المعرفة الممكنة لابد منه ، أما تصورنا لله المطلق فمحال ، لأننا محاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية وأفكارنا محدودة محصورة بنوع من التفكير ، يستحيل علينا إدراك موجود مطلق قديم أزلي خال من أي قيد أو شرط ، فالمعرفة ممكنة ، والاحاطة محالة ، باب المعرفة مفتوح ، والوقوف على كنهه وحقيقته محال ،

( جناب الذات ) : منزه عن الحيز ، لان كل متحيز متناه ، وكل متناه محدث والباري قديم أزلي ليس بمحدث ولا يقبل الحدوث لأنه لا يقبل الحوادث إلا المحدث ، ومن قبل الحدوث يقبل الفناء ، والقديم وحده لا تقبل ذاته الفناء ،

( جناب الذات ) : له الأسماء الحسنى التي لا عد ولا حصر ، قال صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [رواه أحمد في مسنده (3784) والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ،  ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى ( مائة إلا واحداً ) دخل الجنة ، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد ، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه كما جاء في الحديث السابق ((  أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ  ))  لا يحصيها إلا الله عز وجل ، كما أنّ أسماء الله  الحسنى ثناء عليه ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ صححه الألباني في صحيح الجامع رقم ( 1291 ) وفي صحيح أبو داود (823 ) ] ، أما الحكمة في الاقتصار على هذا العدد المخصوص ، فربما كان والله تعالى أعلم أنّ الأسماء وإن كثرت إلاّ أنّ معانيها قد ترجع في أصلها إلى التّسعة والتّسعين اسماً التي من أحصاها دخل الجنة ،

( جناب الذات والأسماء ) : الأسماء الحسنى منها أسماء الكمال ، ومنها أسماء الجلال ، ومنها أسماء الجمال والإكرام ، منها أسماء الذات ، ومنها أسماء الصفات ، ومنها أسماء الافعال ، لا حد لأسمائه وهي فوق الحصر والعد ، منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، 

( جناب الذات والصفات ) :  كل ذات لها صفات تناسبها ، ولو تعرت ذات عن الصفات فلا يصح إطلاق لفظ الذات عليها ، لان من لوازم الذات أن يكون لها صفات تميزها عن غيرها من الذوات ، والصفات من جنس الذات ، فلما كانت ذات المخلوق محدثة محدودة ، كانت صفاته تابعة لذاته محدثة محدودة كذلك ، و ( جناب الذات الإلهي ) : له القدم والبقاء وله الأزلية والأبدية ، أول بلا  ابتداء وآخر بلا انتهاء ، كانت الصفات تابعة لجناب الذات فهي قديمة بلا ابتداء أزلية قبل الازل وأبدية بعد الأبد ، فلا بداية ولا نهاية ، ولا حد ولا غاية ، صفات مطلقة لها غاية الكمال والقدم ،

( جناب الذات والصفات ) :   الذات قديم والصفات قديمة ، ولذلك فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، فلا هي هو ولا هي غيره ، بل هي له ، ولما كانت صفات المخلوق مكتسبة متغايرة ، يكتسبها حينا ويفقدها حينا آخر ، فهي غير الذات ، ظن اهل الجهل بالله وصفاته أن صفاته غيره ، وكيف تكون غيره وهي قديمة ، ولا قديم إلا الواحد الأحد ، وكيف تكون هي هو والصفات لا تقوم بنفسها وإنما بالذات ، كان القول الامثل أن نقول : لا هي هو ، ولا هي غيره ، بل هي له ، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، تأخذ حكمها من حيث القدم والبقاء والكمال الذي لا يقبل أي زيادة ولا نقصان ، والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ،

( جناب الذات والصفات ) :  صفات الله تابعة لذاته ( قديمة لها الكمال المطلق ) قائمة بالذات الإلهي ، وليس كثرة الصفات دليل على تعدد القدماء ، بل الإله قديم واحد أحد بجناب ذاته ، وجناب ذاته تتصف بكمال صفاته ،

( جناب الذات والصفات ) :   ( إن قلنا ) : صفاته عين ذاته فقد جعلنا الصفة عين الموصوف ، وجعلنا الموصوف عين الصفة ، وتصير الذات صفة والصفة ذات ، ويصير الذات معنى والمعنى ذات ، وهذا باطل محال ، و ( إن قلنا ) : صفاته غير ذاته افترضنا وجود قدماء مع القديم وهذا تعدد للآلهة وهذا باطل محال ، وافترضنا وجود أشياء قديمة منفصلة عن الذات او متصلة به ، وهذا ايضا باطل محال لان الله تعالى أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا أجزاء ولا ابعاض ولا تركيب ولا اتصال ولا انفصال ، وعلى ذلك فالقول الامثل أن نقول : لا هي هو ، ولا هي غيره ، بل هي له ، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات ، بل الصفات للذات ، تأخذ حكمها من حيث الكمال والإطلاق ،

( جناب الذات والصفات ) :  الله عزّ وجلّ وصف نفسه لعباده على لسان أنبيائه ورسله وفي كتبه ليعرفوه , وتلك الصفات ليست شيء غير أوصاف ذاته تعالى أو أفعاله ، فإذا كانت الصفة مثبتة لكمال في الموصوف سمّيت : (ثبوتية) ، وإذا كانت الصفة تنفي النقص أو الحاجة عنه سبحانه سمّيت : (سلبية) ، فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية المشيرة إلى وجود كمال في الذات الإلهية, ولكن نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّر والشريك من الصفات السلبية التي تنفي النقص عن جناب ذاته سبحانه ، وليست هذه الصفات قد حدثت لديه بعد الإيجاد, بل لم يزل الله تبارك وتعالى متّصفاً بها قبل أن يخلق الخلق، فهو الكامل على الإطلاق، الذي لا نقص فيه ولا عيب يعتريه  ،

[ علاقة الصفات بالذات ] المقصود من إثبات الذات لله تعالى : أنه سبحانه قائم بنفسه غير محتاج إلى محل ليقوم فيه ، ووجوده غير متوقف على غيره ، وذات الله تعالى قديمة لا أول لوجودها ، ولا يجوز أن يكون وجودها مستمدا من غيرها ، فهي ليست ممكنة ولا مفتقرة إلى غيرها في الوجود ، وقد اختلفت طوائف المتكلمين في بيان علاقة الصفات بالذات ، فقالت ( المعتزلة ) : إن الذات هي عين وجود الله تعالى ، وأن الصفات هي عين الذات ، وزعموا أنَّ إثبات صفات معانٍ زائدة على الذات يستلزم إثبات قدماء كثيرين ، وتعدد القدماء كفر لأنه لا قديم إلا جناب الذات ، وقالت ( المجسمة ) : إن الله تعالى له ذات وله صفات معانٍ زائدة على الذات ، وهذه الصفات وجودية زائدة على الذات ، وبعضها قديم كالقدرة وبعضها حادث كالإرادة والغضب والرضا وغيرها ، وأجازوا اتصافه بالصفات الحادثة ، وأجازوا أيضا اتصاف الله تعالى بالأبعاض والأجزاء ، وقالوا إن لله تعالى يدّ وعين ووجه وأصابع وأنامل على الحقيقة ، وقال ( أهل السنة : الأشاعرة والماتريدية ) إن لله تعالى ذاتا وصفاتا ، والصفات معانٍ زائدة على الذات قائمة بالذات ، ليست عين الذات ولا غيرها ، بل هي صفات الذات ،  وهي قديمة قدم الذات لأنها تابعة للذات ، تنزه القديم أن تقبل ذاته الحوادث ، لان من قبل الحوادث فهو حادث ومن قبل الحوادث فليس بقديم ، وأما صفات الأبعاض والأجزاء التي أثبتها المجسمة ، وحام حولها اهل الحشو ، فقد رد أهل السنة عليها بان الوجه واليد والعين ليست صفات على الحقيقة ، لأن الوجه واليد والعين في الحقيقة أجزاء من الذات وليست صفات ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والغنى المطلق تنزه عن التركيب وعن الأجزاء والأبعاض ، لان المركب يحتاج في وجوده إلى أجزائه وإلى من يركبها فثبت للمركب الافتقار والله تعالى له الغنى المطلق ، وبالتالي فإن حجج المجسمة والحشوية إنما هي شبهات أورثها لهم تتبعهم للمتشابه وتركهم المحكم من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد رد أهل السنة على المعتزلة في قولهم بان اثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء ، بان ذلك لا يلزم ، لأننا لا نثبت التغاير بين الصفات ولا بينها وبين الذات بحيث يتحقق وجودها  مستقلا عن الذات ، وبالتالي فالقدم لله بذاته وصفاته ، لأنه لا يكون هناك ذات بغير صفات ، والصفات تابعة للذات ، فالقدم لله بذاته وصفاته ، وليس معنى ذلك افتقار الذات للصفات ، لان الله تعالى له الغنى المطلق بجناب ذاته وصفاته الدالة على جناب ذاته ، فلا تغاير بين الذات والصفات لأننا كما نقول لا هي هو ، نقول : ولا هي غيره ، بل هي له ، فلا تغاير بين الذات والصفات ، ولا تركيب بينهما يستلزم الافتقار ، لان التركيب إنما يكون في المحدثات ، وجناب الذات قديمة بالصفات ،

[ من صفات الله ] : صِفة الوُجُودِ : الله تعالى موجود أزلا وأبداً قال الله تعالى :  { أَفِي اللهِ شَكٌّ  } ، أي لا شك في وجوده فليس وجوده تعالى بإيجاد موجد ، واللّه تعالى موجود لا يشبه الموجودات ، موجود بلا كيف ولا مكان

[ من صفات الله ] : صِفة الوَحْدَانِيَّةِ : الله تعالى واحد لا شريكَ لَه أي ليس له ثان ، وليس مركبًا مؤلفًا كالأجسام فالعر ش وما دونه من الأجرام مؤلَّف من أجزا ء فيستحيل أن يكون بَينَه وبين الله مشابهة ، فلا نظير له تعالى في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله  

[ من صفات الله ] : صِفَة القِدَمِ : الله تعالى قديم لا بداية لوجوده أي أزلي  ، لأن الإله لابدَّ أن يكون أزليّاً وإلا لكان محتاجًا إلى غيره والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهَاً وما سواه تعالى فهو حادث مَخلوق قال تعالى: { هُوَ الَأولُ وَالآخِرُ } وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ( كَانَ اللهُ وَلْم يَكُنْ شيء غَيْرُه ) ، أي أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيره ،

[ من صفات الله ] : صِفَة البَقاءِ : الله تعالى موجود باق إلى ما لا نهاية له ، فلا يلحقه فَنَاء لأنه لَما ثبت وجوب قدَمه تعالى وجب له البقاء ، والبقاء الذي هو واجب لله هو البقاء الذاتي أي ليس بإيجاب غيره البقاء له ، بل هو يستحقه لذاته لا لشي ء آخر ، قال تعالى : { وَيَبْقَى وَجْه رَبكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ } وأما البقاء الذي يكون لبعض خلق الله كالجنة والنار الثابت بالإجماع فهو ليس بقاء ذاتيّاً لأن الجنة والنار حادثتان والحادث لا يكون باقيًا لذاته ، فبقاء الجنة والنار ليس بذاتيهما بل لأن الله شاء لهما البقاء ، فلا شريك لله في صفاته ،

[ من صفات الله ] : صِفَة القِيَامِ بالنَّفْسِ : الله تعالى مستغن عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه إذ الاحتياج للغير علامة الحدوث والله منزَّه عن ذلك وكلُّ شيء سوى الله مَحتاج إلى الله لا يَستغني عن الله طرفَة عَين،  قالَ تعالى : {  فَإِنَّ اللهَ غَنِي عَنِ العَالَمِيَن   } [ سورة آل عمران آية 98 ] ،

[ من صفات الله ] : صِفَة القُدْرَةِ : الله تعالى موصوف بقدرة أزلية أبدية يؤثر ربها في الممكنات أي في كل ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه ، قال تعالى : { وَهُوَ عَلَى كل شَيء ء قَدِير }  ]سورة المائدة آية 120 ] ، فالله تعالى يستحيل عليه العجز ، لأنه لو لمَ يكن قادرًا لكان عاجزًا  ، ولو كان عاجزًا لَما وجدَ هذا العالم ،

[ من صفات الله ] : صِفَة الإِرَادَةِ : الله تعالى موصوف بالإرادة وهي تعني (  المشيئة   ) يخصّص الله بها الممكن العقلي بصفة دون صفة ، وهي واجبة له تعالى وشاملة لجميع أعمال العباد الخير منها والشر ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لْم  يَشَأْ لْمَ يَكُنْ ،

[ من صفات الله ] : صِفَة العِلْمِ : الله تعالى يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء ، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون ، قال تعالى :  { وَهُوَ بِكُل شيء عَلِيم  } ،  فعلم الغيب المطلق جميعه خاص بالله تعالى ، أما بعض الغيب فإن الله يطلع عليه بعضَ خَلقه وهم الأنبياء والأولياء ، ولكنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ولا يعلم الغيب المطلق والعلم المطلق إلا الله ، ، له كمال العلم ، فكل المعلومات من الازل حيث لا بداية وإلى  أبد الابد حيث لا نهاية منكشفة عليه ، كل العلم حاضر عنده ، لا يضل ربي ولا ينسى ،  كل المعلومات منكشفة عليه ولا يجري على علمه زمان ، كل العلم حاضر عنده ، لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ، يعلم السر وأخفى ، أحاط علمه بكل شيء ، يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ،

[ من صفات الله ] : صِفَة السَّمْعِ : الله تعالى يسمع بسمع أزلي أبدي كلَّ المسموعات ، وأما سُمع المخلوقات فهو حادث مخلوق ، قال تعالى : { قَدْ سَمعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تجادلك فِي زَوْجِهَا ﴾ ]سورة المجادلة آية  1 ] ، فسمع الله تعالى مطلق قديم  ، له كمال السمع ، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات جملة واحدة ويميزها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد ،

[ ومن صفات الله ] : صِفَة البَصَرِ : الله تبارك وتعالى يرى الحادثات برؤيته الأزلية  ، وبصره لا يشبه بَصرَ المخلوقات ، لأنه سبحانه يرى كلَّ المبصَرَات من غير حاجة إلى حَدَقة ولا إلى ضوء ، قال تعالى : { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير  } [ سورة الشورى : آية : 11 ] ، لا حد لبصره ولا يجري على بصره زمان ، له سبحانه كمال البصر المطلق ، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو السميع البصير ،

[ ومن صفات الله ] : صِفَة الكَلاَمِ : الله تبارك وتعالى متكلم  بكلام  أزلي أبدي لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء  ، وليس له انتهاء  ، لا يطرأ عليه سكوت أو تَقطّع  ، ليس بحرف ولا بصوت ، ولا بآلة ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما } ، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم ، أزال الله المانعَ عن سُمع موسى ، فسَمعَ كلامَ الله من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى ، فموسى عليه السلام حادث وسُعه مخلوق وأمّا مسموعه وهو كلام الله فليس بحادث ،

[ ومن صفات الله ] : صِفَة الحَياة :  الله تعالى موصوف  بحياة أزلية أبدية ، وهى صفة قديمـة قائمـة بجناب ذات الله تعالى ، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات اللائقة به تعالى ، و( الحي ) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى : {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران : 2] ، وقال تعالى : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان : 58] ، وحياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ البقرة :  255 ]  ، له سبحانه كمال الحياة ، سبحانه (( الاول فليس قبله شيء )) ، و (( الآخر فليس بعده شيء )) ، وهو الحي الذي لا يموت ،

[ ومن صفات الله ] : صِفَة المخالَفَةِ للحَوَادِثِ : الله تعالى متصف بكل كمال يليق به وهو منَزَّه عن كل نقص أي ما لا يليق به تعالى كالجهل والعجز والمكان والحيز واللون والحَد . قال الله تعالى  :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء  }  ]سورة الشورى آية  11 ] ،

[  أفعال الله ] :  ( أ ) يدعي أهل الجهل : أن أفعال الله تعالى لتعلقها بالمحدثات والمخلوقات محدثة مخلوقة ، وهذا باطل ومحال ، فإن الافعال لها تعلقان ما تعلق بالقديم قديم ، وما تعلق بالمحدثات محدث ، وبيان ذلك ، أن أفعال الله تعالى تابعة لأسمائه وصفاته وأسماؤه الحسنى وصفاته العلا قديمة قائمة بجناب ذاته ، فهو الخلاق منذ الازل ، والخلق نتيجة لصفة الخلق عنده ، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق ، جميع الخلق قدماء في علمه ، ولهذا قال العارفون : كل محدث وكل مخلوق فهو قديم الثبوت حادث الوجود ، أي انهم في علمه القديم ، وهو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه ، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله ، حادث الوجود بقدرة الله ، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل ، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم ، حادثة الوجود بفيض كرم الرزاق ، والرزق إنما هو نتيجة لصفة الرزق عنده ، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق ، فكل ما تعلق به قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث ، منزه سبحانه عن التغير والحدوث ، لا يقبل ذاته الحوادث ، ومحال أن يعود عليه من خلقه شيء ، بل هو الخلاق أبدا والرزاق سرمدا ، كل الخلق قدماء في علمه محدثون في وجودهم ،   قال الطحاوي رحمه الله - معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -  : ( ما زال بصفاته قديما قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئا ، لم يكن قبلهم من صفته ، وكما كان بصفاته أزليا ، كذلك لا يزال عليها أبديا ، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية ولا مربوب ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا ، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم ، كذلك استحق اسم الخالق  قبل إنشائهم ، ذلك بأنه على كل شيء قدير ، وكل شيء إليه فقير ، وكل أمر عليه يسير ، لا يحتاج إلى شيء ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) أهـ [ العقيدة الطحاوية ]  ، ( إذن ) صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل ، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله ، قال تعالى : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [ النحل : 53 ] ،

( ب ) صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل ، والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان ، فهو الخلاق منذ الازل حيث اقتضت الارادة القديمة وجود الخلائق ، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان ، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما ، ثم حدث الزمان بحدوث الحركة بين الأكوان ، فكان على ما شاء الرحمن  ، ( ت ) [ كيف ظهر الخلق ] : للقديم سبحانه إرادة قديمة ارادت حدوث العالَم في الوقت الذي ظهر فيه ، ولله مطلق المشيئة والارادة والاختيار ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان ، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما ، ثم حدث الزمان بحدوث الحركة بين الأكوان ، فكان على ما شاء الله ،  ( ث ) [ ولقائل ان يقول : فما هي الغاية من خلق الخلق ؟ ] الغاية هاهنا تتعلق بالخلق لا بالخالق ، لأن الخالق له الكمال المطلق ، لا يخلق عن غاية ولا عن علة ولا عن سبب ، منزه عن الاغراض ، لأن الاغراض لا تليق بالغني الحميد الذي له كمال الغنى والحمد بذاته لذاته ، وإنما كانت الخلائق نتيجة لعمل صفاته وتجليات أسمائه ، ونحمد الله أنه لولا أنه الكريم لما أكرمنا بالوجود بعد العدم ، ولولا أنه الخلاق لما  أنعم علينا بالخلق والإيجاد ، ولولا أنه الرب لما تجلى علينا بالإمداد ،  ولولا انه الرحمن لما وسعت رحمته جميع خلقه ، فالفضل أولا وآخرا له ، والعائد لنا في الاولى والآخرة ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ  } ، أما الغاية التي ينبغي أن تكون للخلائق من وجودها ، فإنما هي معرفة الله ، وتوحيد الله ، وعبادة الله ، وطاعة الله ، ومن هذا القبيل يصح أن نقول أن الغاية من خلق الخلق معرفة الله وتوحيده وعبادته ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } ،    

( ج ) [ ولسائل أن يقول : فما علاقة الاكوان والمخلوقات بجناب الذات ؟ ] : ( أ ) : لو كانت صفات الله تعالى من العلم والسمع والبصر والكلام والربوبية والالوهية لها تعلق بالمخلوقات ، لكان وجود الاكوان والمخلوقات أمرا حتميا على الله وهذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة ، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة ، قال تعالى : { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ، وقال تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، ( الحق قديم وصفاته تابعة لجناب ذاته قديمة ) ، و ( مثال ذلك ) : علم الله قديم ، يعلم ما كان وما سيكون ، ولكن هل علم الله القديم بالمحدثات والمخلوقات يوجب وجودها أمرا حتميا يؤثر على مطلق الإرادة والمشيئة ؟ ، والجواب : لا ، لان الصفات كلها قديمة ، أولية بلا ابتداء ، كانت قبل أن يجري الزمان ، كل صفة تعلق بها ما اختصت به ، فالمعلومات تعلقت بالعلم ، والمقدورات تعلقت بالقدرة ،  والممكنات تعلقت بالمشيئة ، والمسموعات تعلقت بالسمع ، والمبصرات تعلقت بالبصر ،  وجميع صفاته قديمة لم تتدرج وفق زمان ، بل كانت منذ الازل – قبل جريان الزمان - دفعة واحدة تامة كاملة له الكمال المطلق فلا تزيد ولا تنقص عما هي عليه ، لأنها لو قبلت الزيادة لم تك قبل كاملة ولو قبلت النقصان فليست بقديمة لها الكمال ، له كمال العلم بكل ما هو كائن وما سيكون ، فلم يتدرج العلم لأنه أزلي قديم كان دفعة واحدة عمت كل معلوم ، فكل معلوم يتعلق بالعلم القديم وكل ممكن موجود يتعلق بالمشيئة القديمة والارادة الأزلية والقدرة النافذة ، وعلى ذلك فكل الافعال لها تعلقان تعلق بالله قديم وتعلق بالخلق محدث ، ما تعلق بالله قديم لأنه القديم وما تعلق بالمخلوق محدث لأنه محدث ،  ووجود الاكوان والمخلوقات لم يكن وجودها حتما على الله ، لأنها صدرت بمحض إرادة الإله الحق ووفق مشيئته ،  ومن لوازم المشيئة نفي الاضطرار ، وإنما الكون كله بما فيه من مخلوقات وأعمال نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، وهذه معلومة غاية في الاهمية ، لأنها ترد على من زعم ان الله تعالى خلق العالم ليظهر ذاته ويستثمر صفاته ويُعمل أسماءه ، فيبدو كان ( الله ) استفاد من خلقه ، معاذ الله من ذلك الضلال ، لأنه يحمل معاني استكمال النقص بالغير ، والإله تعالى له كمال الغنى عن الخلق ، وإنما الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات ، فالكون كله بما فيه نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، هو العالم قبل أن توجد المعلومات ، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق ، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق ، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون ، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث ، وإلا لم يكن قديما ، ( إذن ) ليس الهدف من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا ، وإلا كان المعنى انه لولا الخلق لما ظهرت الذات والاسماء والصفات ، وكان للخلق منة – والعياذ بالله - على الرحمن ، معاذ الله ، بل هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الظاهر في الأزل ، وليس خلق الخلق وسيلة إلى إظهار الذات والاسماء والصفات ، بل العكس هو الصحيح ، كان الخلق نتيجة لعمل الأسماء والصفات ، وصارت المنة للرحمن على خلقه ، أن خلقهم من عدم وتكرم عليهم بالايجاد والامداد تفضلا منه ورحمة ، وهو الغني عنهم أزلا وأبدا وهم الفقراء إليه ، والله هو الغني الحميد ، ( إذن ) الاكوان والخلائق والاعمال نتيجة لعمل الاسماء والصفات ، وحدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي لأن له الكمال المطلق قبل خلق الانسان وبعد خلقه ، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء ، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات ، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا ، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ومحال ) أن يكون حدوث الأكوان وخلق الانسان وسيلة للإعلان عن جناب الذات وعن كمال الاسماء والصفات ، فالوسيلة تحمل معاني الرغبة في استكمال الكمال ، ( ح ) : ومحال أن الهدف من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا ، وإلا كان المعنى انه لولا الخلق لما ظهرت الذات والاسماء والصفات ، وهذا محال ، وإنما الاكوان والخلائق والاعمال نتيجة لعمل الاسماء القديمة والصفات الأزلية ، وحدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقه ، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء ، وإنما المنة للرحمن ، ( و محال ) : أن يصدر العالَم عن الله صدورا حتميا ، لأنه صدر بمحض مشيئته وإرادته ، ومن لوازم الشيئة المطلقة نفي الاضطرار ،

والسؤال هو : لماذا خلق الله تعالى الخلق ؟ ، والجواب أنه سبحانه لم يخلق العالَم لعلة ولا لسبب ، بل ظهر العالَم كنتيجة لتجليات أسمائه وصفاته ، تجلى على الأكوان بأسمائه وصفاته ، كان الله تعالى في الأزل حيث لا مكان ولا زمان ولا خلق ، ولا أكوان ، فتجلت أسماؤه الحسنى بتجليات كان من أثرها خلق الاكوان والعوالم والمحدثات ، وأعظم التجليات كانت في خلق جنس الإنسان ، خلق الله تعالى آدم عليه السلام ، وأورثه الله العلم والحكمة وجعله نبيا ، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات ، فكان هو الجامع لكل التجليات ، خلقه الله تعالى في أحسن تقويم ، وصوره في أحسن صورة ، وأسجد له أطهر خلقه (( الملائكة )) ، وسخر له الكون بما فيه ،  واصطفى من ذريته الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين ، والمقدم من بني آدم ، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني ، والإنسان الكامل بإجماع العارفين وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد من الكمل ما له من الخلق والأخلاق ، والباقون من الرسل والأنبياء عليهم السلام ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل ، صلي الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين ،

( إذن  ) العالَم موجود نتيجة للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي ،  وفرق هائل بين الامرين ، الاول يعني أن خلق الاكوان منة من الرحمن غلى الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم ، والثاني قد يُفهم منه أن كمال الذات الإلهي قد تم بخلق الاكوان ، وتصبح المنة فيه للخلائق على الرحمن ، والأمر الأول نور وحق وهداية والأمر الثاني كفر وبهتان ،  ( إذن ) الأكوان والخلائق بما فيها من عظمة وإبداع كانت نتيجة للكمال ، الصفات تامة كاملة قديمة عاملة بكمال الذات ، فتجلى أثرها في خلق الأكوان ، فكان الكون كله ومنه ( الإنسان ) نتيجة للكمال الإلهي وظهرت الخلائق كتجليات وآثار لعمل الأسماء الحسنى والصفات العلا ، فظهرت آثار الأسماء والصفات في كل شيء من الوجود ،

( إذن ) نرى الحق واضحا للعيان ، أنه بطل زعم من زعم أن وجود الأكوان كان من اجل الاعلان عن ذات الإله الحق ومن اجل بيان كمال الذات ومجد الصفات ، وحسن الأسماء ،  بل الحق الذي لا مراء فيه أن كل ما في الكون من خلق وإبداع إنما نتيجة للكمال وليس سعيا من أجل الكمال ، ( ثم ) لو كان خلق الاكوان والانسان من اجل إضافة مجد أو بيان عظمة ، لكان ذلك من باب العبث واللهو واللعب ، وهذا كله محال على الله العليم الحكيم ، والله تعالى يقول : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ سورة الدخان : 38 ، 39 ] ، ويقول : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [ الدخان : 16 إلى 18 ] ، فالويل لمن يصف الله تعالى بتلك الصفات ، بل ما خلق الله تعالى الاكوان إلا بالحق ، والكون وما فيه ظهر نتيجة للكمال وليس سعيا إلى الكمال ، وظهر نتيجة للجلال وليس سعيا إلى المجد والجلال ، وظهر نتيجة للجمال والاكرام وليس سعيا إلى الجمال والاكرام ، وشتان شتان ، فاستلزم ذلك شكر نعمة الرب الديان ، إلى هاهنا أكون قد بلغت غاية هذه الحلقة المتعلقة  بجناب الذات وتعلق الأسماء والصفات والأفعال بجناب الحق سبحانه ، وإلى حلقة جديدة أتناول فيها صفات الكمال اللازمة لله ، إلى ذلك الملتقى أستودعكم الله ،

المزيد

مبحث في محاربة الحشو وتصحيح الفهم المتعلق بأخبار الصفات

مقالات

 

مبحث في محاربة الحشو وتصحيح الفهم المتعلق  بأخبار الصفات

ويشتمل على تلك القواعد :

( القاعدة الأولى ) : تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار ، وبيان أنّ كل خبر يعارض الأدلة القطعية والآيات المحكمة فهو متشابه لا بد من رده إلى المحكم ،

( القاعدة الثانية ) : أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات ، وبيان أنّه تفويض المعنى المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه ،

( القاعدة الثالثة ) : حل الإشكالات المتعلقة بعلم التنزيه وتصفية العلم من شوائب الحشو والتجسيم  والقضاء على أخطر شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه ، وتتناول :

( 1 ) تحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل

( 2 ) تحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار

( 3 ) تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون

(  4 ) حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ،

(  5  ) حل اشكالية الفوقية والاستواء والجهة والمكان

(  6  ) حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث والمجيء والحركة والنزول ،

***

القاعدة الأولى :  تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار

الدليل على وجود المحكم والمتشابه : قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ،

خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه : قال تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } ، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ،

ماهي دائرة المتشابه : في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ،,ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

من الذي يعلم المتشابه : قال تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول :عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ]

القول الفصل في تلك المسألة : من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس له مثال يُقاس عليه ، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه ، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء ، فلا يكون في مكان ، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان ، ولا ينتقل من مكان إلى آخر ، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون ، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير ، ليس كمثله شيء ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط ،

اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : ( أ ) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه ، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ،

ما هي دائرة المتشابه التي حذر منها القرآن الكريم  : وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ،

آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات : آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم - على سبيل المثال - ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ، وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه ، 

أمثلة ودرر من أقوال العلماء فيما يتعلق بالمحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار :  قال السيوطي في كتابه القيم الجامع " الإتقان في علوم القرآن " :  ( من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو { الرحمن على العرش استوى  } ، { كل شيء هالك إلا وجهه } ، { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمينه } ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ،  أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر   ،  وأخرج أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق  ،  وأخرج أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال :  الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة  ،  وأخرج البيهقي عنه أنه قال : هو كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع   ، وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال إتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه   ،  وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا : نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم   ،  وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف  ،  وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا إتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها   ، وقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها   ،  واختار ابن برهان مذهب التأويل قال : ومنشأ الخلاف بين الفريقين هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم نعلم معناه أو لا بل يعلمه الراسخون في العلم   ، وتوسط ابن دقيق العيد : فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه قال وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله تعالى : { يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله } ، فنحمله على حق الله وما يجب له ) أهـ [ الإتقان ج: 2 ص: 13 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ، وذكر منها الاستواء والنفس والوجه والعين واليد والمحبة والغضب والعندية والمكان ،

وقال الإمام الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن :  ( النوع السابع والثلاثون  : في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات ،  وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق  ،  أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة ،  والثاني : أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ،  والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال : أفهم من قوله : { الرحمن على العرش استوى }  ما أفهم من قوله : {  ثم استوى إلى السماء } ،  وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال : الرحمن على العرش استوى  كما قال وإني لأراك ضالا ، وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج ،  قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها ، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها   وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم أو عامي عما عداها  ،  قال وهو كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ، آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم   وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم   وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة : إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع ، وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين   قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى : { أو يأتي ربك } ،  قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله : { أو يأتي أمر ربك } ،  واختار ابن برهان وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله ،  وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه  ، قلت : وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل المرام والمرد إلى قوله : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }) أهـ [  البرهان في علوم القرآن : ج: 2 ص: 78 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ،

وقال الزرقاني في كتابه مناهل العرفان :  ( [  الرأي الرشيد في متشابه الصفات ]   :  علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها ،  فأول ما اتفقوا عليه  :  صرفها عن ظواهرها المستحيلة واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته  ،  ثانيه  :  أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويدر طعن الطاعنين  ، ثالثه  :  أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا وجب القول به إجماعا وذلك كقوله سبحانه  :  { وهو معكم أين ما كنتم } ،  فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد هو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة  ، وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب   :  (  المذهب الأول  )   :  مذهب السلف  :  ويسمى مذهب المفوضة بكسر الواو وتشديدها وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ... (  المذهب الثاني  )   :  مذهب الخلف ، ويسمى مذهب المؤولة بتشديد الواو وكسرها وهم فريقان  :  فريق  :  يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين وينسب هذا إلى أبي الحسن الأشعري ، وفريق : يؤولها بصفات أو بمعان نعلمها على التعيين فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة ويليق بالله عقلا وشرعا وينسب هذا الرأي إلى ابن برهان وجماعة من المتأخرين ، .. [ تطبيق وتمثيل ]  ،  ،  ولنطبق هذه المذاهب على قوله سبحانه : { الرحمن   على العرش استوى } ، فنقول : يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل ، لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره ، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال : { ليس كمثله شيء } ، وقال : { هو الغني الحميد } ، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا ، ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل ، بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل فرقتين فطائفة الأشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون : إن المراد من الآية إثبات أنه تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين تسمى صفة الاستواء وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون : إن المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف لأن اللغة تتسع لهذا المعنى ومنه قول الشاعر العربي : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق   أي استوى وقهر أو دبر وحكم فكذلك يكون معنى النص الكريم : الرحمن استولى على عرش العالم وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته ، وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل إن رآه قريبا ويتوقف إن رآه بعيدا   ومثل ذلك في نحو : { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمنه } ، { يخافون ربهم من فوقهم } ، { وجاء ربك } ، { وعنده مفاتح الغيب } ، فالسلف يفوضون في معانيها تفويضا مطلقا بعد تنزيه الله عن ظواهرها المستحيلة ، والأشاعرة يفسرونها بصفات سمعية زائدة على الصفات التي نعلمها ، ولكنهم يفوضون الأمر في تعيين هذه الصفات إلى الله فهم مؤولون من وجه مفوضون من وجه ، والمتأخرون يفسرون الوجه بالذات ، ولفظ ولتصنع على عيني بتربية موسى ملحوظا بعناية الله وجميل رعايته ، ولفظ اليد بالقدرة ، ولفظ اليمين بالقوة ، والفوقية بالعلو المعنوي دون الحسي ، والمجيء في قوله { وجاء ربك } ، بمجيء أمره والعندية في قوله { وعنده مفاتح الغيب } ، بالإحاطة والتمكن أو بمثل ذلك في الجميع  ،  [ إرشاد وتحذير ] : لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ، ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ، ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم : إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية ، وله من الجهات الست جهة الفوق ، ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا ، بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون : ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ، ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة ، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ، ولا متحيزا ، ولا متجزئا ، ولا متركبا ، ولا محتاجا لأحد ، ولا إلى مكان ، ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ، ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول : { ليس كمثله شيء } ، ويقول : { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ويقول : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ، ويقول : { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف  ، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ، ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل ، فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك : ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز ، فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ، ومستقر فوق العرش غير مستقر ، أو متحيز غير متحيز ، وجسم غير جسم ، أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش ، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه ، إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت ، فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك ، لو أنصف هؤلاء : لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونون سلفيين حقا ، لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين  ،  [ دفع الشبهات الواردة في هذا المقام ]  : ( الشبهة الأولى ودفعها ) : يقولون إن القول بأن الله لا جهة له وأنه ليس فوقا ولا تحتا ولا يمينا ولا شمالا إلى غير ذلك يستلزم أن الله غير موجود أو هو قول بأن الله غير موجود فإن التجرد من الإنصاف بهذه المتقابلات جملة أمر لا يوسم به إلا المعدوم ومن لم يتشرف بشرف الوجود  ،  وندفع هذه الشبهة بأمور : أولها : أن هذا قياس للغائب على الشاهد وقياس الغائب على الشاهد فاسد ذلك أن الله تعالى ليس يشبه خلقه حتى يكون حكمه كحكمهم في وجوب أن يكون له جهة من الجهات الست ما دام موجودا وكيف يقاس المجرد عن المادة بما هو مادي ثم كيف يستوي الخلق وخلقه في جريان أحكام الخلق على خالقه إن المادي هو الذي يجب أن يتصف بشيء من هذه المتقابلات وأن تكون له جهة من تلك الجهات أما عين المادي فترتفع عنه هذه الصفات كلها ولا يمكن أن تكون له أية جهة من هذه الجهات جميعها ونظير ذلك أن الإنسان لا بد أن يكون له أحد الوصفين فإما جاهل وإما عالم أما الحجر فلا يتصف بواحد منها ألبتة فلا يقال إنه جاهل ولا إنه عالم بل العلم والجهل مرتفعان عنه بل هما ممتنعان عليه لا محالة لأن طبيعته تأبى قابليته لكليهما وهكذا تنتفي المتقابلات كلها بانتفاء قابلية المحل لها أيا كانت هذه المتقابلات وأيا كان هذا المحل الذي ليس قابلا لها فيمتنع مثلا أن توصف الدار بأنها سمعية أو صماء وأن توصف الأرض بأنها متكلمة أو خرساء وأن توصف السماء بأنها متزوجة أو أيم وهلم جرا ، ثانيا : نقول لهؤلاء أين كان الله قبل أن يخلق العرش والفرش والسماء والأرض ، وقبل أن يخلق الزمان والمكان ، وقبل أن تكون هناك جهات ست ؟ فإن قالوا : لم يكن له جهة ولا مكان ، نقول قد اعترفتم بما نقول نحن به وهو الآن على ما عليه كان ، لا جهة له ولا مكان ، وإن زعموا أن العالم قديم بقدم فقد تداووا من داء بداء واستجاروا من الرمضاء بالنار ووجب أن ننتقل بهم إلى إثبات حدوث العالم والله هو ولي الهداية والتوفيق ، ثالثا : نقول لهؤلاء إذا كنتم تأخذون بظواهر النصوص على حقيقتها فماذا تفعلون بمثل قوله تعالى : { ءأمنتم من في السماء } ، مع قوله : { وهو الله في السموات وفي الأرض } ، أتقولون إنه في السماء حقيقة أم في الأرض حقيقة أم فيهما معا حقيقة وإذا كان في الأرض وحدها حقيقة فكيف تكون له جهة فوق وإذا كان فيهما معا حقيقة فلماذا يقال له جهة فوق ولا يقال له جهة تحت ولماذا يشار إليه فوق ولا يشار إليه تحت ، ثم ألا يعلمون أن الجهات أمور نسبية فما هو فوق بالنسبة إلينا يكون تحتا بالنسبة إلى غيرنا فأين يذهبون ، رابعا : نقول لهؤلاء ماذا تقولون في قوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } بإفراد اليد مع قوله : { لما خلقت بيدي } بتثنيتها ، ومع قوله : { والسماء بنيناها بأييد } ، بجمعها فإذا كنتم تعلمون النصوص على ظواهرها حقيقة فأخبرونا أله يد واحدة بناء على الآية الأولى أم له يدان اثنتان بناء على الآية الثانية أما له أيد أكثر من اثنتين بناء على الآية الثالثة  ، خامسا : نقول لهؤلاء قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )) رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جهول مأفون   ، سادسا : نقول لهؤلاء ما قاله حجة الإسلام الغزالي ، ونصه : نقول للمتشبث بظواهر الألفاظ إن كان نزوله من السماء الدنيا ليسمعنا نداءه فما أسمعنا نداءه فأي فائدة في نزوله ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا فلا بد أن يكون ظاهر النزول غير مراد وأن المراد به شيء آخر غير ظاهره وهل هذا إلا مثل من يريد وهو بالمشرق إسماع شخص في المغرب فتقدم إلى المغرب بخطوات معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع نداءه فيكون نقله الأقدام عملا باطلا وسعيه نحو المغرب عبثا صرفا لا فائدة فيه وكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل ، ...  ( الشبهة السادسة ودفعها ) : يقولون إن الناظر في موقف السلف والخلف من المتشابه يجزم بأنهم جميعا مؤولون ، لأنهم اشتركوا في صرف ألفاظ المتشابهات عن ظواهرها وصرفها عن ظواهرها تأويل لها لا محالة وإذا كانوا جميعا مؤولين فقد وقعوا جميعا فيما نهى الله عنه وهو اتباع المتشابهات بالتأويل إذ وصف سبحانه هؤلاء بأن في قلوبهم زيغا فقال في الآية السابقة فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وندفع هذه الشبهة أولا : بأن القول بكون السلف والخلف مجمعين على تأويل المتشابه قول له وجه من الصحة لكن بحسب المعنى اللغوي أو ما يقرب من المعنى اللغوي أما بحسب الاصطلاح السائد فلا لأن السلف وإن وافقوا الخلف في التأويل فقد خالفوهم في تعيين المعنى المراد باللفظ بعد صرفه عن ظاهره وذهبوا إلى التفويض المحض بالنسبة إلى هذا التعيين أما الخلف فركبوا متن التأويل إلى هذا التعيين كما سبق تفصيله  ، ثانيا : أن القول بأن السلف واخلف جميعا وقعوا بتصرفهم السابق فيما نهى الله عنه قول خاطئ واستدلالهم عليه بالآية المذكورة استدلال فاسد لأن النهي فيها إنما هو عن التأويل الآثم الناشئ عن الزيغ واتباع الهوى بقرينة قوله سبحانه : { وأما الذين في قلوبهم زيغ } ، أي ميل عن الاستقامة والحجة إلى الهوى والشهوة ، أما التأويل القائم على تحكيم البراهين القاطعة واتباع الهداية الراشدة فليس من هذا القبيل الذي حظره الله وحرمه ، وكيف ينهانا عنه وقد أمرنا به ضمنا بإيجاب رد المتشابهات إلى المحكمات إذ جعل هذه المحكمات هي أم الكتاب على ما سبق بيانه ثم كيف يكون مثل هذا التأويل الراشد محرما وقد دعا به الرسول لابن عباس فقال في الحديث المشهور : (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) ، ويتلخص من هذا أن الله أرشدنا في الآية إلى نوع من التأويل وهو ما يكون به رد المتشابهات إلى المحكمات ثم نهانا عن نوع آخر منه وهو ما كان ناشئا عن الهوى والشهوة لا على البرهان والحجة قصدا إلى الضلال والفتنة وهما لونان مختلفان وضربان بعيدان بينهما برزخ لا يبغيان   وإذن فمن لم يصرف لفظ المتشابه عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال فقد ضل كالظاهرية والمشبهة ومن فسر لفظ المتشابه تفسيرا بعيدا عن الحجة والبرهان قائما على الزيغ والبهتان فقد ضل أيضا كالباطنية والإسماعيلية وكل هؤلاء يقال فيهم إنهم متبعون للمتشابه ابتغاء الفتنة أما من يؤول المتشابه أي يصرفه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلبا للفتنة ولكن منعا لها وتثبيتا للناس على المعروف من دينهم وردا لهم إلى محكمات الكتاب القائمة وأعلامه الواضحة فأولئك هم الهادون المهديون حقا وعلى ذلك درج سلف الأمة وخلفها وأئمتها وعلماؤها ) أهـ [  مناهل العرفان ج: 2 ص: 206 إلى 217 ] ،

***

 

 

القاعدة الثانية

مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار

 

 

ذكرت في القاعدة السابقة المتشابه في باب الصفات ، وهي تلك الصفات التي تدل بظاهرها على الجارحة كالوجه واليد والعين ، أو الحد والمقدار والحركة والحدوث كالاستواء والجهة والكون في المكان ، وفي هذه القاعدة أعرض لحال السلف الصالح وبيان مذهبهم في هذا الباب ، أقول وبالله التوفيق :

هناك منهجان صحيحان ثابتان عن للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، ( المنهج الأول)  : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ،

[  1  ] المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ، ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج ، مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ، وقولهم : ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية ، وقولهم : فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ، وقولهم : أمروا الأحاديث كما جاءت ، وقولهم : كانوا لا يفسرون شيئا ، وقولهم : قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره ، وقولهم : فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ، وقولهم : فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم  : كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، وقولهم : فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : نحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم : إذا سئلنا عن تفسيرها   قلنا : ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت ، وقولهم : أمروها بلا كيف ، وقولهم : أمضها بلا كيف ، وقولهم : وما يعلم تأويله إلا الله ، وقولهم : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه ، وقولهم : نكل علمه إلى الله ، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله ، وقولهم : هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه ، وقولهم :  هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب ، وقولهم : هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ، وقولهم : نكل علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : والسؤال عنه بدعة ، وقولهم : من تكلم في معناها فقد ابتدع  ، ( قلت ) : وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7] ، وإليك أمثلة لمنهج السلف في متشابه الإضافات إلى الله :

( 2 ) الأئمة مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك ومذهب السلف : قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن : " قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة "[ سنن الترمذي – كتاب الزكاة ( 3 : 24 )] أهـ

( 3 ) الأئمة الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد ووكيع واسماعيل بن أبى خالد وسفيان بن عيينة وسليمان ومذهب السلف ، جاء في كتاب الصفات للإمام علي بن عمر الدارقطني  : " حدثنا محمد بن مخلد حدثنا العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول شهدت زكريا بن عدى يسأل وكيعا فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعنى مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا اسماعيل بن أبى خالد وسفيان وسليمان يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا  .. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا عيسى بن اسحاق بن موسى الأنصاري أبو العباس قال سمعت أبى يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله به نفسه فى القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، حدثنا محمد بن مخلد حدثنا اسحاق بن يعقوب العطار قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول سمعت وكيعا يقول نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا ولم جاء هذا ،   حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو العباس اسحاق ابن يعقوب قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول حدثنى أحمد بن نصر رحمه الله قال سمعت سفيان بن عيينة وأنا فى منزله بعد العتمة فجعلت ألح عليه فى المسألة فقال دعنى أتنفس فقلت له يا أبا محمد إنى أريد أن أسألك عن شىء فقال لا تسأل فقلت لا بد من أن أسألك إذا لم أسألك فمن أسأل فقال هات سل فقلت كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبى  صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع      وحديث إن قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن      وحديث إن الله عز وجل يعجب ويضجك ممن يذكره فى الآفاق فقال سفيان هى كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف ...  حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أحمد بن سعد أبو إبراهيم الزبيرى حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعى ومالك بن أنس وسفيان الثورى والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التى فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا أمضها بلا كيف "  [الصفات ج: 1 ص:41- 44] أهـ

( 4 ) الأئمة محمد بن الحسن و الزهري ومكحول ومذهب السلف : جاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي  : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم     يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 433] أهـ   ،  وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا بقية قال ثنا الأوزاعي قال كان الزهري ومكحول يقولان أمروا الأحاديث كما جاءت ، أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول : سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل  )) [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 431] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : "  سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه ، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له "[ اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 432] أهـ ،  وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم ، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 433] أهـ  ، وجاء فيه أيضا : "  أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول : سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا : أمروها   بلا كيف " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 503] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن محمد بن الجراح ومحمد بن مخلد قالا ثنا عباس بن محمد الدوري قال      سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر عنده هذه الأحاديث ضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده وقرب غيره ، والكرسي موضع القدمين ، وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها وأشباه هذه الأحاديث      فقال أبو عبيد هذه الأحاديث عندنا حق يرويها الثقات بعضهم عن بعض إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها ، قلنا ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت " [اعتقاد أهل السنة ج: 3 ص: 526] أهـ ، وجاء فيه أيضا : " وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب قال ابن الجراح والله عز وجل لا يحد ...  أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ثنا الهيثم بن خارجة قال ثنا الوليد بن مسلم يقول سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية ، فقالوا أمروها كما جاءت   بلا كيف )) [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 527] أهـ ، وقال شيخ محدثي زمانه الإمام  البيهقي : - وهو يوضح مذهب السلف والشافعي وأهل الحديث في الاستواء - " وقوله عز وجل : { وهو معكم أينما كنتم } ، إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي قال سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج [قال النفراوي المالكي: في كتابه" الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي "  [ج: 1 ص: 51] " ومعنى قول مالك الاستواء معلوم أن عقولنا دلتنا على أن الاستواء اللائق بالله هو الاستيلاء دون الاستقرار والجلوس لأنهما من صفات الأجسام وقوله والكيف مجهول معناه أن ذات الله لا توصف بالأحوال المتعلقة والهيئات الحسية من التربع ونحوه والإيمان به واجب لوروده في الكتاب والسؤال عنه بدعة لأنه لم تجر العادة بالسؤال عنه من السلف بل يفوضون معرفته على التحقيق إلى الله " أهـ  و قال الزرقاني في مناهل العرفان [ ج: 2 ص: 207 ] "والسؤال عنه بدعة   أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله وأظنك رجل سوء أخرجوه عني " ] وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول قال الله عز وجل : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ،  وقال : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }   وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((  ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ))   وهذا حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله ووكل علمه إلى الله ونفى الكيفية والتشبيه عنه ومنهم من قبله وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة ولا يناقض التوحيد ، وقد ذكرنا هاتين الطريقتين في كتاب الأسماء والصفات في المسائل التي تكلموا فيها من هذا الباب ، وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال ليس كمثله شيء وقال ولم يكن له كفوا أحد وقال هل تعلم له سميا ، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال : سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية     ،  أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث  "[ الاعتقاد للبيهقي ج: 1 ص: 114- 118] أ هـ  ، وقال رحمه الله : " .. عن إسحاق بن موسى الأنباري قال سمعت سفيان بن عيينة يقول ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية  " [الأسماء والصفات للبيهقي ص 314] أهـ ، وقال رحمه الله : " أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال هذه نسخة الكتاب الذي أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن اسحاق بن أيوب في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن إسحاق بن خزيمة وبين أصحابه فذكرها وذكر فيها     الرحمن على العرش استوى     بلا كيف والآثار عن السلف في هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وإليها ذهب أحمد بن حنبل والحسين بن الفضل البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي " [الأسماء والصفات ص 408] أهـ ، وقال البغوي في تفسيره : " بل يداه مبسوطتان ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه وقال جل ذكره لما خلقت بيدى وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلتا يديه يمين والله أعلم بصفاته فعلى العباد فيها الايمان والتسليم وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات   أمروها   كما جاءت بلا كيف" [تفسير البغوي ج: 2 ص: 50] أهـ  ، وقال رحمه الله : "  وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات   أمروها   كما جاءت بلا كيف ))[ تفسير البغوي ج: 2 ص: 165] أهـ  ،

( 5 ) الإمام الشافعي ومذهب السلف : جاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه   ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم" [طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 40] أهـ

( 6 ) الإمام أحمد ومذهب السلف : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل : (( نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل      أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه   مجمل الاعتقاد [ العقيدة ج : 1 ص: 101 ] ... وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " [العقيدة ج: 1 ص: 127] أهـ ، ونفس النص السابق جاء في كتاب اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ، "  وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا   حد   ولا غاية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومن تكلم في معناها ابتدع " [اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ج 1 ص 307]  أهـ   ، 

قال ابن الجوزي في زاد المسير :  " قوله تعالى إلا أن يأتيهم الله كان جماعة من السلف   يمسكون عن  الكلام في مثل هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال المراد به قدرته وأمره قال وقد بينه في قوله تعالى أو يأتي أمر ربك وقوله تعالى في ظلل من الغمام أي بظلل والظلل جمع ظلة و الغمام السحاب الذي لا ماء فيه " [زاد المسير ج: 1 ص: 225] أهـ  ،  وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم : _ عند تعرضه لحديث الرؤية _ " اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : ( أحدهما )  : وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعقتد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى    ليس كمثله شيء    وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر  صفات المخلوق وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم "[ شرح النووى عل صحيح مسلم ج 3 : 19-20)] أهـ  ، وقال الشيخ علاء الدين بن عابدين : " فإن السلف كانوا يؤمنون بجميع ذلك على المعنى الذي اراده الله تعالى وأراده رسوله غير أن تطالبهم أنفسهم بفهم حقيقة شيء من ذلك حتى يطلعهم الله تعالى عليه ، وأما الخلف فلما ظهرت البدع والضلالات ارتكبوا تأويل ذلك وصرفه عن ظاهره مخافة الكفر فاختاروا التأويل يعني التوسع فيه على كفر الحمل على الظاهر الموهم للتجسيم والتشبيه وقالوا استوى بمعنى استولى أو بمعنى استوى عنده خلق العرش وخلق البعوضة أو استوى علمه بما في العرش وغيره  واليد بمعنى القدرة والنزول بمعنى نزول الرحمة  فمن يجد من نفسه قدرة على صنيع السلف فليمش على سننهم وإلا فليتبع الخلف وليحترز من المهالك"  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 57] أهـ  ،   

( قلت ) : وللدكتور عبد الحليم محمود مقالة طيبة في هذا الباب : قال رحمه الله في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام : " لأننا الان بصدد تحديد مذهب السلف فيما يتعلق بصفات الباري تعالى وسنعتمد إن شاء الله تعالى في هذا التحديد بوجه أخص على الشهرستاني في الملل والنحل وعلى الامام الغزالي في الاحياء وفي إلجام العوام وعلى الإمام الرازي في أساس التقديس ، وأظن أن خطورة الموضوع تعطينا كل عزم في الاستفاضة والاسترسال 0 ونعود فنتسائل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟   1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار : إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها 0 فإذا سمع كلمة الصور : مثلا في قوله ،صلى الله عليه وسلم ( إني رأيت ربى في أحسن صوره ) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلف ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه ، مرتبه ترتيبا مخصوصا ، مثل الأنف ، والعين ، والفم ، والخد 0 التي هي أجسام ، وهى لحوم العظام ، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم ، كما تقول : صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا ، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن ، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه 0 وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها : وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن ، فإن خطر له أنه ، عليه الصلاة والسلام ، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأى معنى أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به ، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته ، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم ،  وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد : كالفوقية 0 والنزول واليد ، القدم 0 يجب أن ينفي فىى كل ذلك المعنى المادي 0 وأن يحدد معنى يخترعه هو  ،  2- ويجب عليه الايمان والتصديق : وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به ، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق ، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله ، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده ، وعلى الوجه الذى قاله ، وإن كان لا يقف على حقيقته   ،   3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب 0 وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق  ،  4- وبالسؤال عن هذه الامور0 يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام "الغزالي" أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات 0 وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس 0ونفي التشبيه  ،  5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض ، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان 0 ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد :" للأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسيه تطابقها ، ومنها ما يوجد لها فارسيه ، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التى جرت عادة العرب باستعارتها منها 0 ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في العجمية كذلك "والأمثلة كثيره: فمثلا لفظ ((الاستواء)) فإنه ليس له في الفارسية – كما يقول الإمام "الغزالى" – لفظ مطابق يؤدى بين الفرس من المعنى ما يؤديه لفظ الاستواء بين العرب ، بحيث لا يشتمل على مزيد إيهام : إذ فارسيته أن يقال "راست بإستاد " وهذان لفظان 0( الاول ) ينبئ عن انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحى ويعوج  ، و ( الثاني ) ينبئ عن سكون وثبات فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه المعانى وإشارته إليها في العجمية : أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته إليها في العربية 0 فإذا تفاوتا في الدلالة ، والاشعار : لم يكن هذا مثل الأول ، وإنما يجوز تبديل اللفظ بمثله ، المرادف له الذى لا يخالفه ولو بأدنى شيء ،   6- ويجب الاحتراز عن التصرف : فلا تقول في قوله تعالى :(استوى ) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا ، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة  ،  7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة ، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها : أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها ، والله سبحانه وتعالى : لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل ، فذكر العبودية : عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى " وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية  ،  8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى ،  9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية ، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي –هو : أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها " [ التفكير الفلسفى فى الاسلام صــ134 الى 144 ] أهـ

لماذا كان التفويض هو مذهب السلف الصحيح ، وما هي محاذير مذهب اثبات المتشابهات :  هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، قال الإمام التـرمذي رحمه الله - مبيناً مذهب السلف الصالح في المتشابهات - : ( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) اهـ [سنن الترمذي 4  :  492 ] ، وروى الخلال بسند صحيح عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال في مثل هذه النصوص: (نؤمن بها ونصدق ولا كيف ولا معنى) اهـ ، وروى الإمـام الحـافظ البيهقي بسنده عن الإمام الأوزاعي قال: (كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه) اهـ. [ الاعتقاد ص  :  93] ، وقال النووي : (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال السيوطي : (من المتشابه آيات الصفات... وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له - تعالى - عن حقيقتها) اهـ.[ الإتقان في علوم القرآن 2  :  10 ] ،  وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من التركيب ، ومنع التركيب يمنع وجود الأجزاء ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى ( يد الله فوق أيديهم )  أو ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء )  أو ( الرحمن على العرش استوى )  أو ( ثم استوى إلى السماء ) أو ( يوم يكشف عن ساق )، أو قول رسول الله ‘ (يضحك ربنا) أو (ينزل ربنا) أو (يعجب ربنا) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ،  ومما سبق يتبين أنّ المذهب الأول والأساس للسلف في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض المعنى إلى الله تعالى مع التقديس والتنزيه ونفي المثل والكفء والشبيه ، وكما ذكرنا فإنّه ليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ،

[  2  ] المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

[ ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ورد عن السلف الكرام ] : التأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ، قال الإمام الزركشي : " وقد اختلف الناس في الوارد منها - يعني المتشابهات - في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق : أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا نؤول شيئاً منها، وهم المشبهة ، الثانية: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه، والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ، والثالثة: أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل - يعني مذهب المشبهة - والأخيران منقولان عن الصحابة" اهـ. [البرهان في علوم القرآن 2  :  207] ، وقال الإمام النووي في سياق شرحه لحديث من أحاديث الصفات : " هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء... أحدهما وهو مذهب السلف... والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها) اهـ. [ شرح مسلم للنووي : 6  :   36 ] ، وقال العلامة الشوكاني : " الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما، أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. والثاني، الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل، وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب: الأول: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها ولا يؤوَّل شيء منها، وهذا قول المشبهة ، والثاني: أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله )، قال ابن برهان وهذا قول السلف... ، والمذهب الثالث: أنها مؤولة. قال ابن برهان، والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقـولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة) اهـ. [ إرشاد الفحول 176] ،  وهذه أقوال صريحة للعلماء  بإثبات جواز التأويل عند السلف الصالح ، وتصديق هذا ما سبق نقله عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن عدد من التابعين وتابعيهم عن تأويل بعض النصوص المتشابهات ما يدعم المعنى العام الذي سيقت له الآيات ، ومن ذلك تأويل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري (3  :  7) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه: ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه: ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري (18 : 135) ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29  :  38، القرطبي 18  :  249] ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. [ تفسير الطبري (24  :  19) ] ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر.[ تفسير الطبري (29  :  38 – 39) ] ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [  (الطبري 1  :  402 ] ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص  :  113] وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه [ تفسير البغوي 4  :  454 ] ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ] ، ومن تأويلات تابعي التابعين ، تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى ( ثم استوي إلى السماء ) بالقصد إليها [ مرقاة المفاتيح 2  :  137 ] ، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  (ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ [ التمهيد 7  :  143، سير أعلام النبلاء 8  :  105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص : 136، شرح النووي على صحيح مسلم 6  :  37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص  :  82] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10  :  361  ] ، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال: إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص :  141 ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8  :  364] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري (16  :  123) ] ، وتأول ( الاستواء ) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) [ تفسير الطبري : (1  :  192) ] ، ( قلت ) ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

[ مسوغات التأويل وضوابطه ] :  ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ورد عن السلف الكرام ، وقد سبق بيانه ، والامر الثاني : أنّ التمسك بظواهر جميع النصوص متعذر  : إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر ، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، فقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله عز وجل: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ،  وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، و قوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 20 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،  وقوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64 ] ،  قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } يدل ظاهرها على البسط وعدم القبض وهذه حالة المتشنج ، والمعنى الذي أراده اليهود بعيد عن ذلك ، أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا } [ الإسراء : 29 ] ،  فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] ، وظاهر الآية وجود اليد فوق الأيادي بمحاذاتها ، والمراد الكناية عن الرضا عن البيعة وقبولها ، وقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وظاهر الآية جواز النسيان على الله ، ولكن هذا الظاهر ليس هو المراد ، وإنما المعنى المراد هو تركهم في النار ،  وقوله تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } [ الأحزاب : 57 ] وظاهر الآية جواز إيذاء الله تعالى ، وهو محال والمقصود أولياء الله والمؤمنين بالله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى :  { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران : 142 ] ، وظاهر الآية نفي علم الله تعالى القديم ، وهو محال ،  و قوله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء))  [ أخرجه مسلم 4  : 2084(2713) وهو في سنن الترمذي 5 : 518(3481) وسنن أبي داود 4 : 312(5051) ] ، ففي هذا الحديث مقابلة بين وصف الله عز وجل بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وبين وصفِه تعالى بأنه الباطن الذي ليس دونه شيء ،  فلا ينبغي أن نختار  في الوصف الأول ( الظاهر فليس فوقه شيء ) المسلك الظاهر ( اثبات العلو الحسي  )  وفي الوصف الآخر (الباطن فليس دونك شيء )  مسلك التأويل والمجاز ( الكناية عن القرب والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ) ، قال ابن عثيمين : ( الظاهر من الظهور وهو العلو… الباطن كناية عن إحاطته بكل شيء ولكن المعنى أنه مع علوه فهو باطن فعلوه لا ينافي قربه عز وجل فالباطن قريب من معنى القريب ) أهـ [ المحاضرات السنية لابن عثيمين 1 : 142 ]  ، فجعل الوصف الأول على ظاهره ، وجعل الوصف الثاني كناية ومجازا ، وإنما ألجئه إلى ذلك علمه بأن الله تعالى لا يصح وصفه بالسفل الحسي ، وعلماء الأصول المتخصصون في العقيدة ، يعلمون بسبب تخصصهم في هذا العلم ، أنّه يجب اثبات صفة العلو لله تعالى ، ولكن على سبيل علو المكانة لا المكان ، ويعلمون أنّه يستحيل وصف الله تعالى بالعلو المكاني ولا بالسفل المكاني لأنّ كل الأماكن عند الله تعالى سواء ، هو القريب من كل شيء ، فليس شيء منها بعيد عن الله ، وهو المحيط بكل شيء وهو القاهر لكل شيء ، ويعلمون أنّ المعنى المقصود من الحديث (وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) هو الإشارة إلى تنزهه تعالى عن الوجود المكاني ، لأن الظاهر الذي لا يكون شيءٌ فوقه إذا كان هو الباطن الذي لا شيءَ دونه فلا يُعقل أن يكون مختصاً بالمكان ، وغير هذا الفهم تحكم بغير دليل ، أما اثبات الظاهر في شطر الحديث ، واثبات المجاز ( الكناية ) في الشطر الآخر فهذا هو التناقض ، وهذا هو التحكم بغير دليل  ،

تأويل أهل السنّة والجماعة ناشئ عن ضرورة وله ضوابط : مذهب أهل السنّة والجماعة ( الأثرية والأشاعرة والماتريدية ) أن الأصل هو الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ العلماء إلى التأويل للرد على أهل البدع وانتشار التشبيه والتمثيل بين العامة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الإمام عدي بن مسافر الشامي " ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل)" اهـ. [ اعتقاد أهل السنة والجماعة ص : 26 ] ، وقال العلامة ملا على القاري " ولم يريدوا بذلك - أي التأويل - مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك، لكثرة المجسمة والجهمية وغيرها من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 2  :  136] وقال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 : 134 ] ، قال الإمام النووي : " (فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأوّلوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا - أي التأويل - "  اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال العلامة ملا علي القاري : " اتـفـق السلف والخلف على تنـزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى... وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا هو مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر" اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 :  189] ، وقال الإمام العز بن عبد السلام " وليس الكلام في هذا - يعني التأويل - بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة واجبة لَمَّا ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك" اهـ. [ فتاوى العز بن عبد السلام ص  :  22 ] ،

وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية  لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما ألجأهم إلى التأويل ضرورة الرد على أهل البدع وصرف أذهان العامة عن التشبيه والتجسيم

ضوابط التأويل عند أهل السنّة والجماعة : المقصود بالتأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ، وللتأويل عندهم أقسام ثلاثة : الأول التأويل الصحيح وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل مع استيفاء شروطه ، والثاني: التأويل الفاسد: وهو التأويل الذي يصار إليه بما يظنه المؤوِّل باعتقاده دليلاً، وهو ليس كذلك في الواقع ونفس الأمر ، والثالث: التأويل الباطل المردود: وهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، بل هو لعب، وعبث، وتحكم. وهو ما جنح إليه أصحاب الأهواء، ولو فتح باب هذا التاويل الباطل لأدى ذلك إلى ضياع الشريعة ،  أما شروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح وهي : أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ، أو عرف الاستعمال، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح، أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل ، وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و إلاَّ كان التأويل فاسدًا ، و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر. ، أهلية الناظر للتأويل. و ذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر. و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم و الله عز و جل يقول: (و لا. تقف ما ليس لك به علم ) ( الإسراء: 36).

[  تنبيه : ليس كل من انتسب للسلف سلفياً  ] : قال الحافظ القسطلاني : "  العجب ممن ينتمي إلى السنة ويتعرض للافتداء بالسلف الصالح منهم  ويعتمد على ما ورد في الكتاب والسنة يخالف قوله قولهم ,وينتهي إلى ما لم يرد عن السادة المقتدي بهم من الخوض في كيفية الكلام , فيزيد فيه بحرف وصوت ,ولم يرد ذلك في كتاب ولا سنة ,ويستدل على إثبات المقطوع به بالمظنون من الأحاديث المتضادة المتون .الخ " [انظر ذيل طبقات الحفاظ لأبي المحاسن الحسيني الدمشقي تعليقا ص 78] أهـ ، وقال العلامة الكوثري في الرد على قول بن القيم ( ولنا المسانيد والصحاح ولكم تصانيف الكلام ) : قال رحمه الله " بل أهل السنة هم الذين جمعوا بين الكتاب والسنة وآثار السلف والبراهين العقلية التى هى من حجج الله سبحانه ، من غير إهمال شىء منها ، مراعين مراتب الأدلة ووجود الدلالة وإنما مذهب السلف عدم الخوض فى الصفات مع التنزيه العام من أبعد الناس عن حمل ما فى كتاب الله وما صح فى السنة على ما يوهم التشبيه فإذا تكلموا إنما يتكلمون بما يوافق التنزيه وهم الذين يقولون فيما صح لفظه : " أمروه كما جاء بدون تفسيره بل تفسيره قراءته بلا كيف ولا معنى " كما تواتر ذلك عن السلف ولا سيما عن أحمد وقد ذكرنا بعض نصوص لهم فى ذلك ، وأما أصحاب الناظم فهم الذين جمعوا بين الإسرائيليات والجاهليات وأنواع الخرافات والأخبار الموضوعات كما يظهر من كتبهم فى العلو والسنة والتوحيد والنحل أين فى الصحاح والسنن ( ينزل بذاته ) و ( يستوى على العرش إستواء استقرار وجلوس ) و ( يتحرك ) و( يتكلم بصوت ) ؟ فلو وقفوا حيث وقف الكتاب والسنة والبرهان العقلى وأبوا الخوض فى الصفات بعقولهم الضئيلة لكانوا على الهدى لكنهم حادوا وزادوا ، قاتلهم الله ما أوقحهم وأشنع إفكهم على أهل الحق " [السيف الصقيل ص194-195] أهـ

 

***

 

 

القاعدة الثالثة

القضاء على شبه المجسمة والمشبهة

فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه

 

 

( 1 ) حل اشكالية الصورة وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل

( 2 ) حل اشكالية المكان وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار

( 3 ) حل اشكالية النزول وتحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون

(  4 ) حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ،

(  5  ) حل اشكالية الفوقية والاستواء والجهة والمكان

(  6  ) حل اشكالية الحدوث وحلول الحوادث والمجيء والحركة والنزول

***

 

 

( 1 )

حل إشكالية الصورة

وتحقيق القول في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته ))

والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل

 

 

( أ ) روايات الحديث : الرواية الأولى للحديث : رواية صحيحة ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن ))  [ أخرجه البخاري (6227)، ومسلم  ( 2841 ) ] ، والرواية الثانية للحديث : رواية صحيحة ، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) [ أخرجه مسلم (2612) ] ، والرواية الثالثة للحديث : رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال : أخرج عبدالله بن أحمد في السنة،(1 :  268) رقم( 498 ) , وابن أبي عاصم في السنة ( 417 ) , وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد وإثبات صفات الرب جل وعلا ( 1  :  85 ) , وأخرجه الآجري في كتاب الشريعة ( 2 :  107 ) و الدارقطني في الصفات(1 :  37)، رقم ( 45 , 48 ) , و البيهقي في الأسماء والصفات، (2 :  64)، رقم ( 640 ) كلهم من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت , عن عطاء , عن ابن عمر بلفظ : ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) ، قلت : هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ، وأعله بأربعة علل ، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ( 1 : 86 ) - وهو ممن تأول الحديث -  الأولى : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده , فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر ، والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت  ، والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ، والرابعة ذكرها  الألباني ،  وهي : جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة , فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( 530 ) -  وكذا اللالكائي برقم ( 716 ) – بلفظ ((  على صورته )) ، ولم يذكر (( على صورة الرحمن )) ، ولفظ ((  على صورته )) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة [ أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : ح ( 1176 ) ] ، قلت : ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (( على صورة الرحمن )) لا يصح البتة ، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح ، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح ((  على صورته )) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه باسم الحديث " عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن " ، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث ، وفي جميع أجوبته نظر ، ثم ما الطائل وراء ذلك ؟ ، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف اتلك العقيدة بقول ليس كمثله شيء ، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه : (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن  ))  قائلاً : فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة , وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح ) [ عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن  صـ 37 ] فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث ، وإنما لحديث ((  على صورته )) الذي أخرجه البخاري ومسلم ، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته ، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث ، ( قلت ) : هذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم ، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه ، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر ، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه ،

( ب ) مفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح اثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة كما سيأتي ، ( المفتاح الثالث ) : لفظ ((  لا تقبحوا الوجه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )) مع ضعفه البين ، فإن له - إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه - مخرجاً صحيحا يُحمل عليه ، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 28 ، 29 ] ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة ، فليست الصورة صورة الرحمن ، ولا الروح روح الرب الديان ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ((خلق آدم على صورته)) يعني :  صورة من الصور التي خلقها الله وصورها ،  كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } [الأعراف:  11 ]   فآدم عل صورة الله ، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [ التين : 4 ] ، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول ابن خزيمة كذلك كما سيأتي ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام ، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال ، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء  ، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، ومن الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وأصله ، والتي يُرد إليها المتشابه قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها صور وأشكال وهي علامة خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عنها لأنّه ليس كمثله شيء ، قوله تعالى: { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصور والأشكال، وقوله تعالى: { فلا تضربوا للهِ الأمثال}  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الشكل والصورة والجارحة ، وقوله تعالى: { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه فلا يشبه ابن آدم ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ،

(  ت  ) من أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الصورة أكثر من أن تحصر منها على سبيل المثال : جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله :" نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل .. ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع (( أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 110 ]  ، وجاء فيه أيضا :  " لا يجوز أن يسمى جسما  وأنكر ( أي الإمام أحمد ) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل  " أهـ [ العقيدة ج 1  : ص 111 ] ، وقال شيخ المحدثين الحافظ البيهقي :  "قال أبو سليمان الخطابي :وأما ذكر الصورة في هذه القصة ؛فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، فإن الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية " أهـ [ الأسماء والصفات :297 ] ، وقال رحمه الله :  " وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به " أهـ [الاعتقاد ج1 ص 71ـ72] ، وجاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي[ صـ10] "فصل : واعلموا أن الصور والتركيب تستحيل على الله تعالى للمعنى الذي ذكرنا في الجسم , ولأن ذا الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص هو فاعله , وخالقه , ومن يكون له صورة أيضا مخلوق لا إشكال فيه , ولأن الصورة لا تشبه المصور , والله تعالى خالق الصور (ليس كمثله شيء ) وقال الله تعالى : { هو الله الخالق البارئ المصور } " أهـ [الفقه الأكبر المنسوب للإمام الشافعي صـ10] ، وقال الإمام الحافظ أبى بكر بن فورك  " فصل :  واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب ، وسلك طريق الخطأ والمحال فيه ، وهو ابن قتيبه توهما أنه مستمسك بظاهره غير تارك له ، فقال : ( إن لله عز وجل صوره لا كالصور كما أنه شئ لا كالأشياء ) فأثبت لله تعالى صوره قديمه قديمه ، زعم أنها لا كالصور ، وأن الله خلق آدم على تلك الصوره ، وهذا جهل من قائله 0 وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه "  أهـ [مشكل الحديث وبيانه ص 67 إلى 69] ، وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم : " قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا .. قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها " أهـ [شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166] ، وجاء في إكمال المعلم : " قال القاضي عياض : هذا حديث ثابت عند أهل النقل ، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره ، وقال : فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره ، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام "  أهـ [إكمال المعلم ج8 من ص90:87] ، وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات : "  وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح .. وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء   تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] "  أهـ [أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135] ، وجاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة) : " وفي رواية أبي هريرة فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه ( فإذا جاء ربنا ) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها ) أهـ [مرقاة المفاتيح(باب الحوض والشفاعة)] ، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل :  ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم     وكذلك من قال صورة لا كالصور "  أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 155] ، وقال رحمه الله : " الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا ) الحديث :  اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة )  أهـ  [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159] ،

***

 

 

 

( 2 )

حل إشكالية المكان

وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله ))

 والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار

 

 

( 1 ) حديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) بقولها ( نعم ) و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) بقولها ( في السماء ) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ ( أين الله ) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا ، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي : قال في كتابه الأسماء والصفات " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " [ الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) و انظر السنن الكبرى للبيهقي  7  :  388 ) ] والامام الحافظ البزار : قال " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " أهــ [ كشف الاستار 1  :  14] والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  ) [ آل عمران : 8 ] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح (  2665 ) ] ، وخلاصة الأمر :أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ، وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ، وجاء بلفظ ( أين الله ) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء ، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

(  2  ) الروايات المختلفة للحديث والتي تدل على اضطراب الحديث : للحديث عدة روايات عكفت - بحمد الله تعالى - على جمعها من كتب الحديث ، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل ، ورأيت أنها تؤول إلى ثلاث روايات لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها ،

(  3  ) الرواية الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) ، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم ، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم ، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ))  [ أخرجه الإمام في الموطأ [ 2 : 777(1469) ] وأخرجه الإمام أحمد في مسنده [مسند أحمد 3 : 451 ] وهو في مصنف عبد الرزاق [ 9 : 175 ] والمنتقى لابن الجارود [1 : 234(931) ] والتوحيد لابن خزيمة [ 122] وسنن البيهقي الكبرى [ 7 : 388(15046) ] وقال الذهبي في العلو [ 15] هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره[ 1 : 535 ] " وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " أهــ   وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد [ 9 : 114]]

(  4  ) الرواية الثانية بلفظ ( من ربك  ) ، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال : (( من ربك ؟ قالت الله ، قال: من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة )) [ أخرجه ابن حبان في صحيحه : 1 : 418(189) ، والإمام أحمد في مسنده : 4 : 222 و388 و389 ، وأبو داود في سننه : ص 477 (3283) ،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود : 2\322 (  3283 ) ، والنسـائي في السنن الصغرى : 6 : 252 ،   وفي السنن الكبرى :  4 : 110 ، والدارمي في سننه : 2 : 244(2348) ، وابن خزيمة في كتابه التوحيد صـ 122 ، والطبراني في المعجم الكبير : 7 : 320(7257) ،  والبيهقي في سننه الكبرى:  7 : 388(15049)  ]

(  5  ) الرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرج الإمام مسلم بسنده عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : (( بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : 1 : 381 (537) (باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ) ، والإمام أحمد في مسنده : 5\447( 23813) و5 : 448(23816) ، وأبو داود في سننه : 1 : 244(930) (931) ، والنسائي في السنن الكبرى : 1 : 362(1141) ، والبيهقي في السنن الكبرى : 7 : 387(15043) ، وفي الأسماء والصفات صـ  422 ، والتوحيد لابن خزيمة صـ 81 ، وصحيح ابن حبان : 1 : 383(165) ، والمعجم الكبير للطبراني : 19 : 398 (937) ]

(  6  ) روايات أخرى للحديث ، منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً )) ، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) ص3 وذكر سندها الحافظ المزي في ( تحفة الأشراف) : 8 : 427 ، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث ، وفيه : (( فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ؟ قالت الله. قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة )) ، وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط .... [ وانظر العلو للعلي الغفار ص 120 ، وتحفة الأشراف :10\216 (11378) ] ، وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن ، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي : صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا ، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان ، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة : (( أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال : يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها : أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة )) ،  فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم ، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها : (( فأشارت إلى السماء ))  [ مصنف عبد الرزاق 9\176( 16816) ] ،

( 7 ) الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة ، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين - سوى ابن مالك - ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث ، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي : ( أ ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( من ربك ) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ب ) رواية ( من ربك ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ت  ) رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ورواية ( أين الله ) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف ، ( ث  ) رواية ( أين الله ؟ قالت في السماء ) ورواية ( أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف ، (  ج ) رواية ( أين الله ) عند مسلم تختلف عن رواية ( أين الله ) عند مالك ، فعند مسلم : ( يقول وعلي رقبة أفأعتقها  وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة ) وعند مالك : ( يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا  أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة ) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها ، (  ح  ) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء ) ، (  خ  ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ ( أين الله ) لمعرفة معبودها - وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث - لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض  ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) [الاقتصاد في الاعتقاد صـ 33] ، ( د  ) قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل ( لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب ) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة ) ، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تسميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتسميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث ، ( ذ  ) لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [صحيح البخاري1 : 17(25) ] وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [  صحيح البخاري 2 : 505(1331)] ، (  ر  ) لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين : كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) [ سنن الترمذي5 : 519(3483) ] ، (  ز  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد ( لا لا له له لا الله = محمد رسول الله ) ويؤيدها كذلك حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )  وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر ، (  س  ) لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( ش  ) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: ( أين الله ) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. ) ويؤيده  الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال ( الله في السماء ) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) ، ( ص ) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها :  هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.   أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، ( ض  ) الحديث بلفظ ( أين الله ) فيه التشابه من وجهين : أحدهما : قولـه صلى الله عليه وسلم لها:( أين الله )  فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب ( أين ) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض ، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه ، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در  الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: "  فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر ، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. " أهــ ، ( ط  ) تقدم مما سبق أن تمسك البعض  برواية (( أين الله )) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت  وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث الأولى حمله على رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله )  الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية ( أين الله )  فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين , والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن الكون في مكان وعن أن يجري عليه زمان وهو القاهر فوقهما وفوق كل خلقه { ليس كمثله شيء } ،

(  8  ) أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية ( أين الله ) على أساس ثبوتها : (  أ  ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها : هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان ) اهـ [ النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5  : ص22) ] ، (  ب  ) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري : ( قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) أهـ [ فتح الباري ج13 : ص402] ،  (  ت   ) قال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه - بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة - ، قال : ( فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها ، وفي قلبها ، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة :فلان في السماء ، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار ، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به ) أهـ [  مشكل الحديث وبيانه صـ 61 ] ، (  ث  ) قال ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب : ( الحديث السابع عشر : روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال : (( كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي ، فانطلقت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب شاه ، ( وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ) فصككتها صكة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي ، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين الله ؟ قالت في السماء ، قال من أنا : قالت : أنت رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة ))  قلت : قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار ، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها ) أهـ [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، ( ج ) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام : ( حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان ، وقولها : في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا ، ومن لم يرض بذلك ، وأراد أن يحمله علي ظاهره  فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له : لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (( أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته )) رواه البخاري ، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته ، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون ، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي ) أهـ  [ الباز الأشهب ص93-94 ] ، (  ح  ) وقال القرطبي في تفسيره : ( أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان ... وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم ، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله ؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها ، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك ) أهـ [ تفسير القرطبي ج18 ص 315 ] ،

(  9  ) مخالفات رواية ( أين الله ) لأصول العقيدة من جوانب عديدة ، منها مخالفة من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، ومخالفة من جهة أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، ومخالفة من جهة أنّ الحديث مضطرب في ألفاظه لا يصح اثبات عقيدة به ، ومخالفة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ،، ومخالفة من جهة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ،، ومخالفة من جهة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ومن جهة مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، (  أ  ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان ، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها ، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو أنّها  كانت خرساء ، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد ، وليس إثبات المكان لله ، (  ب  ) المخالفة الثانية : أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان ، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية  وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان ، ( ت  ) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به ، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته ، والمحكم فيها بلفظ (( أتشهدين أن لا إله إلا الله )) أو بلفظ (( من ربك )) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر ، واللفظ الثالث (( أين الله )) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان ، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته ، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى ، (  ث  ) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله ، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان ،  بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها ، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله : (( أين الله )) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد ، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه  ، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة ، كما تواتر عنه  صلى الله عليه وأله وسلم أنّه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) [  صحيح البخاري : ح 25  ] ، وما أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال : (( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )) [ صحيح البخاري : ح 1331 ] ، فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ، (  ج  ) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان والتوحيد للمسلم ، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : (( يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي : سبعة ، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء )) [  سنن الترمذي : ح 3483  ] ،

( 10 ) المخالفة السادسة الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان ،  ومن تلك الأدلة قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شيء غيره ))  [ البخاري ( 3020 ) ] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال فوق الوجود الزماني ، وكمال فوق الوجود المكاني ، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود ، له كمال الوجود الأعلى من الزمان ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فوجوده قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، وله كمال الوجود الاعلى من المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، وهو بكل شيء محيط ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، وقال تعالى : { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ،  ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، ( ث ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،  ( ج ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ( ح ) وجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( خ ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، (  ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، (  ش  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، ( ص  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، (  ض  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ط ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، (  ع ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ،  ( غ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، (  ف ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( ق ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ك ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، ( ل ) وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ،  ( م ) وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ( تنبيه ) : تنزيه أهل السنّة للخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

(  11  ) المخالفة السابعة : مخالفة تلك العقيدة لإجماع الأصوليين المتخصصين في علم التقديس والواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى من علماء أهل السنّة والجماعة الخبراء في العقيدة الناجية والمتفقين على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، فلا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ، ومن أقوالهم في ذلك  : ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)  أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني   : ( وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ  [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ،  ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29:216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي ( ت : 333 هـ) : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد (ص :  69).] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص : 65).] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث (ص :  57) ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي (449 هـ) أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري (13 :  416) ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري (13 :  433) ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان)  اهـ. [ الثقات (1 :  1) ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (456 هـ) : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام: مسألة في نفي المكان عن الله تعالى (ص :  65) ] ، ( 12 ) وقال الإمام الحافظ البيهقي (458هـ) :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)  اهـ. [ الأسماء والصفات (ص :  400) ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي (476 هـ) : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص :  53) ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد (ص :  58) ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ) : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1 :  108) ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال: "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين: (1 :  128) ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ) : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي ( 544 هـ ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني ( ت 548هـ) : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص :  103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال)  اهـ. [ دفع شبه التشبيه (ص : 58) ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ [ صيد الخاطر : ص :  476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (  موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية (8 :  186) ] ، ( 20 ) وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه) : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [طبقات الشافعية : (8 :  219) ] ، ( 21 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز)  أهـ [ الجامع لأحكام القرءان : (3 :  278)] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  390) ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام : 18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق : (6 :  399) ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام : 158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق : (7 :  145) ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق : (20 : 55)] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك : 16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق: ( 18 : 216) ] ، ( 22 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ) :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شىء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 : 19] ، ( 23 ) وقال الإمام البيضاوي (685 هـ) : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري (3 :  31)] ، ( 24 ) وقال الإمام المفسر النسفي (710 هـ ) :  (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي : (ج2 : 2،48) ] ، ( 25 ) وقال العلامة ابن منظور (711 هـ) : ( وفي الحديث: (( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ))   المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) [  لسان العرب ، مادة: ق رب (1 :  663- 664) ] ، ( 26 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان)  اهـ. [ إيضاح الدليل (ص :  103- 4. 1)] ، وقال أيضا : ( فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل (ص :  104- 105) ] ، ( 27 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط (6 :  302)] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط: 16- 8 :  302) ] ، ( 28 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ) : (  "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب (8 : ،84) ] ، ( 29 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ)  : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري(6 :  136) ] ، ( 30 ) وقال الإمام العَيْني أحد أكبر شراح صحيح البخاري (855 هـ) : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  111) ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري (مجلد 12 :  25 :  117) ] ، ( 31 ) وقال الحافظ السخاوي (902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة (رقم 886، ص :  342) ] ، ( 32 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) : ( قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني (1 :  576) ] ، ( 33 ) وقال الإمام القسطلاني  (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري (15 :  451) ] ( 34 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري (926 هـ) : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية (ص :  2) ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ [ المصدر السابق : (ص :  5) ] ، وللمزيد حول حل إشكالية المكان ، وتحقيق القول في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حولها انظر كتابي : (  كتاب تقديس الله تعالى أن يحيط به مكان أو يجري عليه زمان )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

 

 

( 3 )

تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة ))

والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون

 

 

( 1 ) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) [ البخاري ح 1077 ]

وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قوله : ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) استدل به من أثبت الجهة وقال : هي جهة العلو , وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك ،  وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم ، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة , والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا , ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف , ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم , ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب , ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف , ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض , وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد , قال البيهقي : وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه , ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم . وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى . وقال ابن العربي : حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث , وعن السلف إمرارها , وعن قوم تأويلها وبه أقول . فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته , بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه , والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني , فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك , وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة , فهي عربية صحيحة انتهى . والحاصل أنه تأوله بوجهين : إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره , وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه . وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا , ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ : (( إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل , ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له  ))  الحديث ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص : (( ينادي مناد هل من داع يستجاب له )) الحديث . قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال , ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني : (( ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : لا أسأل عن عبادي غيري ))  لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور . وقال البيضاوي : ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه , فالمراد نور رحمته , أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة ) أهـ [ فتح الباري  : ج: 3 ص: 30 ] ،

( 2 ) وأخرج البخاري أيضاً عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  ) [ البخاري  ح 6940 ] ، وقال ابن حجر - في درة تنزيهية من كلامه - في شرح الحديث : ( قد تقدم شرحه في  كتاب التهجد  في باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل , وتقدم هناك مناسبة الترجمة لحديث الباب مع أن لفظه ( حين يبقى ثلث الليل ) ومضى بيان الاختلاف فيما يتعلق بأحاديث الصفات في أوائل " كتاب التوحيد " في باب وكان عرشه على الماء , والغرض منه هنا قوله " فيقول من يدعوني " إلى آخره وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادي به ملكا بأمره أو لا ; لأن المراد إثبات نسبة القول إليه وهي حاصلة على كل من الحالتين , وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكا فينادي في " كتاب التهجد " وتأويل ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا كالفتح لقبول الدعاء وأن تلك الساعة من مظان الإجابة وهو معهود في اللغة , تقول : فلان نزل لي عن حقه بمعنى وهبه , قال : والدليل على أنها صفة فعل تعليقه بوقت محدود ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان فصح أنه فعل حادث , وقد عقد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وهو من المبالغين في الإثبات حتى طعن فيه بعضهم بسبب ذلك في كتابه الفاروق بابا لهذا الحديث , وأورده من طرق كثيرة ثم ذكره من طرق زعم أنها لا تقبل التأويل , إلى أن قال : فهذه الطرق كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوتها لا يقبل قوله أنها لا تقبل التأويل فإن محصلها ذكر الصعود بعد النزول فكما قبل النزول التأويل لا يمنع قبول الصعود التأويل , والتسليم أسلم كما تقدم والله أعلم . وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه فأشار إلى ما ورد من الصفات وكلها من التقريب لا من التمثيل , وفي مذاهب العرب سعة , يقولون أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار , ولا تريد تحقيق الاشتباه وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الأفهام , فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبها بالصخر , والله يقول ( في موج كالجبال ) فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة , والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر , واللفظ بالسحر , والمواعيد الكاذبة بالرياح , ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة وبالله التوفيق ) أهـ [  فتح الباري ج: 13 ص: 468 ] ،

( 3 ) وأخرج مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) [ مسلم : ح :1261 ] ،  وقال النووي - في درة من تنزيهاته - في شرح الحديث : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له )) هذا الحديث من أحاديث الصفات , وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين : أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى , وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد , ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق , وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها . فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما : تأويل مالك بن أنس وغيره معناه : تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني : أنه على الاستعارة , ومعناه : الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف ، والله أعلم  ) أهـ [ شرح النووي على صحيح مسلم ] ،  وقال رحمه الله في المجموع : (  وعن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول من يدعو فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران : ( أحدهما ) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و ( الثاني ) : الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد   تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى { ليس كمثله شيء } وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم ) أهـ [ المجموع ج: 4 ص: 51 ] ،

( 4 ) ومن أقوال شرّاح الحديث في بيان معانيه ، دون الغوص في الحشو والتشبيه :  قال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات ) - بعد أن نقل قول القتيبي : قد يكون  النزول بمعنى إقبالك على الشيء بالارادة والنية ، وقل الإمام أبي حنيفة عنه : ينزل بلا كيف ، وقول حماد بن زيد : نزوله إقباله  ، قال البيهقي : ( وأخبرنا عبدالله الحافظ , قال : سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني , يقول : حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة , وورد في التنزيل ما يصدقه , وهو قوله تعالى : {  وجاء ربك والملك صفا صفا } ، والمجىء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة , والانتقال من حال الى حال , بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه , جل الله عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا ً ) أهـ [  الاسماء والصفات صـ317 ] ، وقال أيضاً :  ( قال أبو سليمان الخطابي في حديث النزول : وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال , فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول : أقبل على نفسه فقال : إن قال قائل :كيف نزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له :ينزل كيف يشاء .فإن قال :هل يتحرك إذا نزل ؟ فقال : إن شاء يتحرك ,وإن لم يشألم يتحرك ، وهذا خطأ فاحش عظيم ,والله تعالى لا يوصف بالحركة ,لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد ,وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون , وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين , والله تبارك وتعالى متعال عنهما ( ليس كمثله شيء ) , فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لايعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال : وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لايثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال , والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال  ) أهـ [ الأسماء والصفات : 454 ] ،  وقال الإمام العيني - في درة من تنزيهاته - في شرح حديث النزول من صحيح البخاري  :  (حمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها:  (( يتنزل ربنا )) ، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد (( ينزل )) على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: «إلى السماء الدنيا»، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم ،  ثم الكلام هنا على أنواع. الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك ،   الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا... [و]الجمهور سلكوا في هذا  الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين. ومنهم الأئمة الأربعة : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الاستاذ أبو منصور (يعني )الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: «ينزل الله»، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله. وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله  أو إجماع الناس ، ( قلت ) : لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو  من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك، .. وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي  الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى. فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 84 ] ، و: الإعلام {نزل به الروح الأمين} [ الشعراء: 391 ] أي: أعلم به الروح الأمين محمدا ، وبمعنى: القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [ الأنعام: 39 ] ، أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم ، جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاف إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة ) أهـ  [ شرح العيني على صحيح البخاري : ج 3 : ص : 622 ، 623 ] ،

وقال السندي في شرحه للحديث علي سنن بن ماجة : ( قوله : (( ينزل ربنا ))  حقيقة النزول تفوض إلى علم الله تعالى نعم القدر المقصود بالإفهام يعرفه كل واحد وهو أن ذلك الوقت قرب الرحمة إلى العباد فلا ينبغي لهم إضاعته بالغفلة ) أهـ ،  وجاء في المنتقي شرح الموطأ : ( قوله صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا )) إخبار عن إجابة الدعاء في ذلك الوقت وإعطاء السائلين ما سألوه وغفرانه للمستغفرين , وتنبيه على فضيلة ذلك الوقت , وحض على كثرة الدعاء والسؤال والاستغفار فيه ومن هذا المعنى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإذا أتاني يمشي أتيت إليه هرولة ولم يرد به التقرب في المسافة فإن ذلك غير ممكن ولا موجود وإنما أراد التقرب بالعمل من العبد والقرب منه تعالى بالإجابة والقبول ومن ذلك يقال فلان قريب من فلان ويقولون في الرئيس هو قريب من الناس إذا كان كثير الإسعاف لهم والترحيب بهم وهو مشهور في كلام العرب وفي العتبية سألت مالكا عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش فقال لا يتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير , وحديث إن الله خلق آدم على صورته , وحديث الساق قال ابن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يحدث بمثل هذا ) أهـ  ،  وقال الشيخ شهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري : ( قولـه : (( ينـزل ربنا )) تبارك وتعالى نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة كما هـو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله فهو نزول معنوي ، نعم يجوز حمله على الحسي ويكون راجعا إلى أفعاله لا إلى ذاته بل هو عبارة عن ملكه الـذي يـنـزل بأمره ونهيه ، قال الزركشي لكن روى ابن حبان في صحيحه: ينـزل الله إلى السماء فيقول لا يسأل عن عبادي غيري وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد ويجوز أن يكون الملك مأمورا بالمناداة ولا يسأل البتة عما كان بعدها فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون لا تخفى عليه خافية ، وقوله جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله:  ((كل ليلة إلى سماء الدنيا )) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة أتى بما يدل على التـنـزيه حين يبقى ثلث الليل الآخر منه بالرفع صفة وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة ) أهـ ،  وقال الشيخ ملا علي القاري في شرح الشفا : ( ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتـنـزيه والمشكلة المعنى المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره : (( ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر لـه )) ، فإن نـزوله سبحانه وتعالى كناية عن تنـزلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه سبحانه وتعالى له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التـنـزيه لـه عن انتـقال وتـغـير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلـف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتـنـزيه ومانعون عن التشبيه ) أهـ ، وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه  : ( قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } [ النحل 26 ] ،  وقوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة : 210 ] ، وقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر ] : اعلم أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء والنزول إذا أضيف جميع ذلك إلى الأجسام التي تتحرك وتنتقل وتحازي مكانا ، إن جميع ذلك يعقل من ظاهرها ،والمعنى الذي هو الحركة والنقل ، التي هي تفريغ مكان وشغل مكان .وإذا أضيف إلى ما لايليق به الانتقال من مكان إلى مكان لاستحالة وصفه كان معنى ما يضاف إليه من الإتيان والمجيء على حسب ما يليق بنعته وصفته ، إذا ورد به الكتاب ، وكذلك إذا أضيف النزول إليه ، وورد الخبر الصحيح الموثوق بروايته ونقله وصحته ، في باب أنه يحمل على نحو ما حمل عليه معنى المجيء ، والإتيان إذا ذكرا في أوصافه في الكتاب ، وإذا كان كذلك تأملنا معنى ما ورد في الخبر من لفظ النزول ، ونزلناه على الوجه الذي يليق بوصفه ، وعلى المعنى الذي لا ينكر استعمال مثله في اللسان في مثل معناه ولا أن يرد الخبر بمثله ، فمن ذلك أنا وجدنا لفظة النزول في اللغة مستعملة على معان مختلفة ، ولم تكن هذه اللفظة مما يخص أمرا واحداً ، حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره بل وجدناه مشترك المعنى واحتمل التأويل والتخريج والترتيب ،فمن ذلك : النزول بمعنى الانتقال ، وذلك في قوله سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) الفرقان على معنى النقلة والتحويل ،ومن ذلك النزول بمعنى الاعلام كقوله عز وجل : ( نزل به الروح الأمين  على قلبك ) الشعراء.أي اعلم به الروح الأمين محمداً صلى الله عليه وسلم ، والنزول مثل ما أنزل الله ) الأنعام ، والنزول أيضا بمعنى الإقبال على الشيء وذلك هو المستعمل في قولهم والجاري في عرفهم ، وهو أنهم يقولون : إن فلانا أخذ بمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى سفاسفها أي أقبل منها إلى رديئها ،ومثله في نقصان الدرجة والمرتبة لأنهم يقولون : نزلت منزله فلان عن فلان عما كانت عليه إلى ما دونها إذا انحط قدره عنده ،ومن ذلك أيضا النزول بمعنى نزول الحكم  من ذلك قول الناس قد كنا في عدل وخير ، حتى نزل بنا بنو فلان إلى حكمهم ، وكل ذلك في ذلك في معنى النزول متعارف بين أهل اللغة غير مرفوع عنهم اشتراك معناه ) أهـ [مشكل الحديث وبيانه ، ص200:202 ] ،

وقال ابن حزم في الفصل في الملل : (  وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الله تعالى ينزل كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى سماء الدنيا   قال أبو محمد وهذا إنما هو فعل يفعله الله تعالى في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء وان تلك الساعة من مظان القبول والإجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق التنزل المذكور بوقت محدد فصح أنه فعل محدث في ذلك مفعول حينئذ وقد علمنا أن ما لم يزل فليس متعلقا بزمان البتة وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر عليه السلام أن الله يأمر مالكا ينادي في ذلك الوقت بذلك وأيضا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق وأما من جعل ذلك نقلة ، فقد قدمنا بطلان قوله في أبطال القول  بالجسم بعون الله وتأييده ولو انتقل تعالي لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بين لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربا فقال فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه تعالى الله عن هذا وكذلك القول في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وقوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر فهذا كله علي ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال وجاء ربك إنما معناه وجاء أمر ربك   قال أبو محمد لا تعقل الصفة والصفات في اللغة التي بها نزل بها القرآن وفي سائر اللغات وفي وجود العقل وفي ضرورة الحس إلا أعراضا محمولة في الموصوفين فإذا جوزوها غير أعراض بخلاف المعهود فقد تحكموا بلا دليل إذ إنما يصار إلى مثل هذا فيما ورد به نص ولم يرد قط نص بلفظ الصفات ولا بلفظ الصفة فمن المحال أن يؤتى بلفظ لا نص فيه يعبر به عن خلاف المعهود وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ثم قال تعالى فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فلو ذكروا الأمثال مكان الصفات لذكر الله تعالى لفظة المثل لكان أولى ثم قد بين الله تعالى غاية البيان فقال فلا تضربوا لله الأمثال وقد أخبر الله تعالى بأن له المثل الأعلى فصح ضرورة انه لا يضرب له مثل إلا ما أخبر به تعالى فقط ولا يحل أن يزاد على ذلك سيء أصلا وبالله تعالى التوفيق ) أهـ [ الفصل في الملل ج: 2 ص: 132 ] ،   وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول :  ( وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وقوله تعالى : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك ) أهـ [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51 ] ،  وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ : ( وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : (( ينزل ربنا )) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه ،ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم   ، وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال الحافظ ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له الحديث  ، وحديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد ينادي مناد هل من داع يستجاب له الحديث      قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال ولا يعكر عليه حديث رفاعة الجهني عند النسائي ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عن صنع العباد بل يجوز أنه مأمور بالمناداة ولا يسأل البتة عما بعدها فهو أعلم سبحانه بما كان وما يكون انتهى  ، هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم  ، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا ) أهـ [شرح الزرقاني ج: 2 ص: 49 ، 50 ] ،   وقال العلامة ابن الجوزي ، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد : وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في كتابه القيم - الذي أنصح كل مسلم بقراءته - الباز الأشهب : ( ومنها قوله تعالي : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } أي بظل ، وكذلك قوله تعالي : { وجاء ربك } ، ( قلت ) : قال القاضي أبو يعلي عن أحمد بن حنبل أنه قال : في قوله تعالي " يأتيهم " قال المراد به : قدرته وأمره ، قال : وقد بينه في قوله تعالي : { أو يأتي أمر ربك } ، ومثل هذا في التوراة : { وجاء ربك } قال إنما هو قدرته . قال بن حامد : هذا خطأ ، إنما ينزل بذاته بانتقال . ، ( قلت ) : وهذا الكلام في ذاته تعالي بمقتضي الحس ، كما يتكلم في الأجسام ، قال ابن عقيل في قوله تعالي { قل الروح من أمر ربي } ، قال : من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق ، فكفهم عن الخالق وصفاته أولي ، و أنشده : " كيفية النفس ليس المرء يدركها  * فكيف كيفية الجبار في القدم " [ الباز الأشهب ص61 ] ، ( تنبيه ) : روى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالي (وجاء ربك)جاءت قدرته بسند لا غبار عليه ،  وقال في نفس الكتاب [ ص95-96 ] : ( الحديث التاسع عشر : روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول :  من يدعوني فأستجيب له  )) ( قلت ) : وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا ، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير ، فيبقى الناس رجلين أحدهما المتأول له بمعنى : أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ، وإن كان معدنه  بالأرض وقال { وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ومن  لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟  و الثاني : الساكت عن الكلام في ذلك . ( روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا : أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت : وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة ، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام : جسم عالي ، وهو مكان الساكن ، وجسم سافل ، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل ، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا . ( فإن قال العامي : فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل : أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه ، فإن قال : كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا : قد علمت أن النازل إليك قريب منك ، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام ، قال ابن حامد : هو علي العرش بذاته ، مماس له ، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل ، ( قلت ) : وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي ، وقال القاضي : النزول صفة ذاتية ، ولا نقول نزوله انتقال . ( قلت ) وهذا مغالطة ، ومنهم من قال : يتحرك إذا نزل ، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق ، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته ، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة ) أهـ [ الباز الأشهب ص95-96 ] ،  ‏وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن : ( قال القاضي عياض  إعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي ص من ربه لقربه منه  إبناه عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له  مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام  ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه  نزول إجمال وقبول وإحسان ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90 ] ،  وجاء في الفواكه الدواني  : ( من الصفات ما يصح أن يوصف به الخالق والمخلوق على وجه الحقيقة كالعلم بوحدانية الله تعالى فالله نعلم أنه واحد والعبد الموحد أيضا يعلم ذلك بطريق الحقيقة فيهما وكالعلم بحرارة النار وإن كان علم الله قديما وعلم العبد حادثا ومنها ما يوصف به تعالى حقيقة والعبد مجازا كالمعطي والرازق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا يقال له معط مجازا لحصول صورة العطاء منه كما يقال لصورة الفرس فرس ومن ثم أجات بعض المفسرين عن خير الرازقين وأحسن الخالقين مع أنه لا رازق ولا خلق إلا هو سبحانه وتعالى بأن الرازق يطلق على الله حقيقة وعلى المخلوق مجازا أو أن المراد خير من تزعمونهم رازقين ويجري نحو هذين الجوابيين في أحسن الخالقين ومنها ما يوصف به الباري بطريق الحقيقة ولا يوصف به المخلوق لا حقيقة ولا مجازا كالأزلي ومنها ما يوصف به العبد حقيقة ويوصف به الباري مجازا كالاستواء والنزول والمعية والفوقية ) أهـ [ الفواكه الدواني ج: 1 ص: 48 ]   ،  وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل - وهو يرد على اشكالات الحشوية : ( الحديث الرابع : عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب )) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه : ( الأول ) : النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال ، ( الثاني ) : لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذولب وتحصيل ، (  الثالث ) :  أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، ( الرابع ) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك  ، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال ، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء   ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 163 ] ،  وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر - في درة من كلامه - في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : (  فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر  ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء      وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال  ، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء  ، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة ) أهـ [ عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 ، 36 ]  ، وقال رحمه الله : ( وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ، ومنها نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ، ويكلون علمه إلى الله تعالى      وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى  : { وجاء ربك والملك } الآية ، وفي قوله : { ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }  الآية ، ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 60 ] ،  وقال العلامة الكوثري - وهو يرد علي إستدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول - : (( قاتل الله الجهل ، ما أفتكه ، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي ، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه ( ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له ) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد ، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة )) أهـ [ السيف الصقيل ص 102 ]  ،  و قال الإمام القرشي التيمي مجدد القرن السادس حفيد الصديق أبي بكر رضي الله عنه الإمام فخر الدين الرازي - في درة من علم التقديس والتنزيه - : ( المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به  ، واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة ، ( فالأول ) : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه  } ،  [  القصص : 88 ] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى بأعيننا } [ القمر : 14 ] وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله } [ الزمر : 56 ] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } [ يس : 71 ] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : (( وكلتا يديه يمين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض )) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ] فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة ، وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل ، ( الحجة الثانية ) : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ( الحجة الثالثة  ) : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك ، ( الحجة الرابعة ) : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الآفلين } [ الأنعام : 76 ] ، ( الحجة الخامسة ) : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل ، ( الحجة السادسة ) : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات  ، ( الحجة السابعة  ) : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل  ، ( الحجة الثامنة ) : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك،
( الحجة التاسعة ) : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السموات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة ، ( الحجة العاشرة ) : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للإلهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر ، ( الحجة الحادية عشرة ) : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض ، ( الحجة الثانية عشرة ) : قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمد : 38 ] ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ) أهـ [ تفسير مفاتح الغيب : ج 13 : ص 212 إلى 214 ] ،  وقال رحمه الله - في درة من كلامه - في كتابه الذي لم أر في التقديس كتاباً مثله ( كتاب أساس التقديس  ) : ( الفصل التاسع في المجيء والنـزول  احتجوا بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ، وبقوله تعالى :  { وجاء ربك } ، واحتجوا بالأخبار الواردة فمنها ما رواه صاحب شرح السنة رحمه الله في باب إحياء ءاخر الليل وفضله عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنـزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) ، ثم قال : (( إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير ينـزل إلى هذه السماء الدنيا فينادي هل من مـذنـب يتوب هل من مستغفر هل من داع هل من سائل إلى الفجر )) قال صاحب هذا الكتاب هذا حديث متفق على صحته، وفي هذا الباب أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينـزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ..  الحديث ، واعلم أن الكلام في قوله:  { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}  من وجهين : ( الأول ) : أن نبين بالدلائل القاهرة أنه سبحانه وتعالى منـزه عن المجيء والذهاب ، و ( الثاني ) : أن نذكر التأويلات في هذه الآيات،  أما النوع الأول فنقول: الذي يدل على امتناع المجيء والذهاب على الله تعالى وجوه : ( الأول ) : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن المحدث وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثا خلوقا فالإله القديم يستحيل أن يكون كذلك ، و ( الثاني ) : أن كل ما يصح عليه الانـتـقال من مكان إلى مكان فهو محدود متناه فيكون مختصا بمقدار معين مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص منه فحينئذ يكـون اختصاصه بذلك المقدار لأجل تخصيص مخصص وترجيح مرجح وذلك على الإله القديم محال ، و ( الثالث ) : وهـو أنا لو جوزنا فيما يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي إلهية الشمس والقمر ، و ( الرابع ) : أنه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : { لا أحب الآفلين} ، ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور ، فمن جوز الغيبة والحضور على الإله تعالى فقد طعن في دليل الخليل وكذب الله تعالى في تصديق الخليل في ذلك حيث قال : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ، وأما النوع الثاني في بيان التأويلات المذكورة في هذه الآية فنقول فيه وجهان : ( الأول ) : المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم ءايات الله فجعل مجيء ءايات الله مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات كما يقال جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، و ( الوجه الثاني ) : أن يكون المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا أضاف فعلا إلى شيء فإن كان ظاهر تلك الإضافة ممتنعا فالواجب صرف ذلك الظاهر إلى التأويل كما قال العلماء في قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله} المراد يحادون أولياءه وقد قال تعالى:  { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ }  والمراد أهل القرية فكذا قوله تعالى : { يأتيهم الله} ، أي يأتيهم أمر الله وليس فيه إلا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وذلـك مجاز مشهور يقال ضرب الأمير فلانا وأعطاه والمراد أنه أمر بذلك والذي يؤكد صحة هذا التأويل وجهان : ( الأول ) : أن قوله تعالى:  { يأتيهم الله} ، وقوله:  { وجاء ربك‏ } ، إخبار عن حال القيامة ثم إن الله تعالى ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال:  { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} ، فصار هذا مفسرا لذلك المتشابه لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض ، و ( الثاني ) : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { وقضى الأمر } ،  ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق وهذا يستدعي أن يكون قد جرى ذكره من قبل ذلك حتى يكون الألف واللام إشارة إليه وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : { يأتيهم الله}  أي يأتي أمر الله ، فأما الحديث المشتمل على النـزول إلى السماء الدنيا فالكلام عليه من وجهين : ( الوجه الأول ) : بيان أن النـزول قد يستعمل في غير الانتقال وتقريره من وجوه : ( أحدها ) : قوله تعالى:  { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } ، ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل والبقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الانتقال ، وقال الله تعالى : { فأنزل الله سكينته على رسوله } ، والانتقال على السكينة محال ، وقال الله تعالى : { نزل به الروح الأمين على قلبك} ، والقرآن سواء قلنا إنه عبارة عن صفة قديمة أو قلنا إنه عبارة عن الحروف والصوت والانتقال عليه محال،  وقال الشافعي المطلبي رضي الله عنه : دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنـزلت ثم نزلت ولم يكن المراد من هذا النزول الانتقال ، و ( الثاني ) : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( الثالث ) : أن القوم رأوا أن كل سماء في مقابلة السماء التي فوقها كقطرة في بحر وكدرهم في مفازة ثم كل السموات في مقابلة الكرسي كقطرة في البحر والكرسي في مقابلة العرش كذلك ثم يقولون إن العرش مملوء منه والكرسي موضع قدمه فإذا نزل إلى السماء الدنيا وهي في غاية الصغر بالنسبة إلى ذلك الجسم العظيم فإما أن يقال إن أجزاء ذلك الجسم العظيم يدخـل بعضـها في بعض وذلك يوجب القول بأن تلك الأجزاء قابلة للتـفرق والتمزق ويوجـب القول أيضا بتداخل الأجزاء بعضها في بعض وذلك يقتضي جواز تداخل جملة العالم في خردلة واحدة وهو محال وإما أن يقال إن تلك الأجزاء بليت عند النـزول إلى السماء الدنيا وذلك قول بأنه قابل للعدم والوجود وذلك مما لا يقوله عاقل في صفة الإله تعالى فيثبت بهذا البرهان القاهر أن القول بالنـزول على الوجه الذي قالوه باطل ، و ( الرابع ) : أنا قد دللنا على أن العالم كرة فإذا كان كذلك وجب القطع بأنه أبداً يكون الحاصل في أحد نصفي الأرض هو الليل، وفي النصف الآخر هو النهار، فإذا وجب نزوله إلى السـماء الدنيا في الليل، وقد دللنا على أن الليل حاصل أبداً فهذا يقتضي أن يبقى أبداً في السماء الدنيا إلا أنه يستدير على ظهر الفلك بحسب استدارة الفلك وبحسب انتقال الليل من جانب من الأرض إلى جانب ءاخر، ولو جاز أن يكون الشيء المستدير مع الفلك أبداً إلهاً للعالم فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الفلك ومعلوم أن ذلك لا يقوله عاقل ، ( النوع الثاني ) : من الكلام في هذا الحديث بناؤه على التأويل على سبيل التفصيل، وهو أن يحمل هذا النـزول على نزول رحمته إلى الأرض في ذلك الوقت والسبب في تخصيص ذلك الوقت بهذا الفعل وجوه : ( الأول ) : أن التوبة التي يؤتى بها في قلب الليل الظاهر أنها تكون خالية عن شوائب الدنيا لأن الأغيار لا يطلعون عليها فتكون أقرب إلى القبول ، و ( الثاني ) : أن الغالب على الإنسان في قلب الليل الكسل والنوم والبطالة فلولا الجد العظيم في طلـب الدين والرغبة الشديدة في تحققه لما تحمل مشاق السهر ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ومتى كان الجد والرغبة والإخلاص أتم وأكمل كان الثواب أوفر ، و ( الثالث ) : أن الليل وقت الكسل والفتور فاحتيج في الترغيب في الاشتغال بالعبادة في الليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الاشتغال والتهجد، فيحسن أن الشارع يخص هذا الوقت بمثل هذا الكلام ليكون توفر الدواعي على التهجد أتم فهذه الجهات الثلاث تصلح أن تكون سبباً لتخصيص الشارع هذا الوقت بهذا التشريف ولأجلها قال الله تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون} ، وقال تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } ، و ( الوجه الرابع ) : إن جمعا من أشراف الملائكة ينـزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى فأضيف ذلـك إلى الله تعالى لأنه حصل بسبب أمر الله تعالى كما يقال: بنى الأمير داراً وضرب ديناراً. وممن ذهب إلى هذا التأويل من يروي الخبر بضم الياء تحقيقاً لهذا المعنى ، واعلم أن تمام التقرير في تأويل هذا الخبر أن من نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه والاهتمام بأمره فإنه يكرمه جداً بل يكون نزوله عنده مبالغة في إكرامه فلما كان النـزول موجباً للإكرام أطلق اسم النـزول على الإكرام، وهذا أيضاً هو المراد بقوله تعالى : { وجاء ربــك والملك صفاً صفا } ، وذلك أن الملك إذا جاء وحضر لفصل الخصومات عظم وقعه واشتدت هيبته والله أعلم  ) أهـ

( 5 ) اللوازم الفاسدة للقول بالنزول الحقيقي : من تلك اللوازم : ( أ ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( ب ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( ت ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم ( أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد ) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون ، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك ، ( ث ) كما يقول الرازي : أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل ،  وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ، ( ج ) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين ، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال ، ( ح ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله ، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم ، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت ،

( 6 ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا  ، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] ، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده ، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك ، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام ، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى : ((  مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ  )) ،  قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه : ( قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره وقال بعضهم إن قوله : (( ينـزل )) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) قال القرطبي : صححه عبد الحق ، قالوا : وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا : ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا : وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا : فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال " أهـ  ، وللمزيد حول تحقيق القول في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حول الحديث : انظر كتابي : (  كتاب شرح حديث النزول في ضوء قواعد التنزيه )  ، وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

 

 

( 4 )

حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم

والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين

 

 

الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء في وجوده أو في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله ، ليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تحتاج إلى مكان أو تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل موجود في مكان فهو محدود بهذا المكان يحيزه ويحيط به والله تعالى بكل شيء محيط ، وليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا ، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث ، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث ، فليس بمركب وقد أجمع أهل القبلة عدا الحشوية والمجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وهذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن ، ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، فقوله تعالى ( أحد) يدل على الأحدية ونفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى: { الله الصمد } والصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً مُحتاجا إليه ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى { ولم يكن له كفوا أحد } نفي للمثلية كقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وكذلك قوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى ( لا إله إلا هو الحي القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء  لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء }  ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقد تواترت أقوال علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الجارحة والأعضاء والأجزاء ، ولم يخالف في ذلك سوى المشبهة والمجسمة ، حتى الحشوية الجهلاء بما يجب لله وما يستحيل في حقه نزهوا الله تعالى عن الجارحة ، وقد مر بنا في الباب الأول مذهب أهل السنّة والجماعة في يوهم الجارحة كصفة الوجه واليد واليمين والعين والساق وغيرها ، وأنّهم سموها صفاتاً احترازاً من توهم الجارحة لأنّ الله تعالى منزه عم كل ما يوهم الجارحة والتركيب والأجزاء والأعضاء ، قال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات : ( باب  في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا ، اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ (  ليس كمثله شيء ) إلى أن قال : وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه  جسم   قال : وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [النساء  : 171 ] ) أهـ [ أقاويل الثقات ج : 1 ص : 134، 135 ] ، وللمزيد حول حل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء كالوجه واليد والعين ، وبيان أقوال علماء أهل السنّة والجماعة حول الحديث : انظر كتابي : ( مذهب أهل السنّة والجماعة في رد المتشابهات إلى المحكمات وتصويب المعلومات لفهم ظواهر النصوص المتشابهات فيما يتعلق بتنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ) وهو ضمن ( مجموعة الرسائل المتعلقة بالتقديس والتنزيه وفهم العقيدة الصحيحة )

***

 

(  5  )

حل اشكالية الفوقية والعلو والاستواء والجهة والمكان

 

 

( 1 ) يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر دليلاً رئيسياً ، الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، الدليل السادس :  التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] ، الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ،  الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الدليل العاشر :  التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [ الأعراف : 54 ] ، الدليل الحادي عشر  : التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لحديث البخاري ومسلم : (( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له ))  ، الدليل الثاني عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، لحديث الترمذي : (( إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين )) [ صحيح الترمذي للألباني : ح ( 3556 ) ] ، الدليل الثالث عشر : التصريح بلفظ (( أين الله )) في حديث مسلم : (( قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها :  أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة))  [ أخرجه الإمام مسلم : ح  (537) ] ، وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة ،

(  2  ) هذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة ، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها ،

(  3  ) حل اشكالية الدليل الأول : التصريح بالفوقية مقروناً بأداة ( من ) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، قال القرطبي : ( ومعنى يخافون ربهم   من فوقهم   أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل  المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف ) أهـ [تفسير القرطبي ج: 10 ص: 113 ] ، وقال بن جهبل - وهو يرد على مثبت الجهة - : (  وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة  ، ثم الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم   أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير   وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة   وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى وإنا فوقهم قاهرون وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم  ) أهـ [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 47 ] ،

(  4  ) حل اشكالية الدليل الثاني : ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة , قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير ، قال القرطبي : (وهو القاهر   فوق عباده   القهر الغلبة والقاهرالغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر  تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى  { فوق عباده }  فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول  السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 399 ] ، وقال أبو السعود : (وهو القاهر   فوق عباده   أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 144 ] ، وقال البغوي : ( { وهو القاهر فوق عباده } : القاهر الغالب وفى القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وقيل هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على ماده   فوق عباده   هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل وهو الحكيم فى أمره الخبير بأعمال عباده ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 2 ص: 89 ] ، وقال الشوكاني : (قوله وهو القاهر   فوق عباده   المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية ) أهـ [ فتح القدير ج: 2 ص: 124 ] ، وقال الألوسي : (وهو القاهر   فوق عباده   قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل  إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة  إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة باحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي ) أهـ [ روح المعاني ج: 7 ص: 114 ] ، وقال الرازي : ((هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)   اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته. وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وهو القاهر فوق عباده} مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً. وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. والثالث: أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار. وتمام تقريره في قوله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} (آل عمران: 26) ، وإذا عرفت منهج الكلام فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز. وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا ًقادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل. كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} والرابع: أن هذا  البدن مؤلف من الطبائع الأربع. وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول  الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد  والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال {وهو القاهر فوق عباده} وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة المعارض فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وهو القاهر القاهر فوق عباده}.

(  5 ) حل اشكالية الدليل الثالث :  التصريح بالعروج  إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [ المعارج : 4 ] ، قوله تعالى :{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 3 ، 4 ] ، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى : { مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ } أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده ، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء ،  قال الطبري : ( وقوله { ذي المعارج } يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم   وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل   ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله   ذي المعارج   يقول العلو والفواضل   حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله   ذي المعارج   ذي الفواضل والنعم  ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 29 ص: 70 ] ، وقال القرطبي : (  { من الله ذي المعارج } ،  أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد  هي معارج السماء وقيل  هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل  المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 281 ] ، وقال ابن كثير : (من الله   ذي المعارج   قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى   ذي المعارج   قال ذو الدرجات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   ذي المعارج   يعني العلو والفواضل ) أهـ [ تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 419 ] ، أما قوله تعالى : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان ، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان ، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع ، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه ، قال الواحدي : ( تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1132 ] ،

(  6  ) حل اشكالية الدليل الرابع :  التصريح بالصعود إليه ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر : 10 ] ، { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، قال الطبري : ( قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه ) أهـ [ تفسير الطبري ج: 22 ص: 120 ] ، وقال البغوي : ( وعن قتادة : {إليه يصعد الكلم الطيب } أي يقبل الله الكلم الطيب ) أهـ [ تفسير البغوي ج: 3 ص: 566 ] ، وقال البيضاوي : ( وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما ) أهـ [ تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 413 ] ، وقال النسفي : (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه ) أهـ [ تفسير النسفي ج: 3 ص: 337 ] ، وقال أبو السعود : ( وقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 7 ص: 145] ، وقال الشوكاني : ( ومعنى صعوده إليه قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ) أهـ [ فتح القدير ج: 4 ص: 341 ] ، وقال ابن الجوزي : (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله ) أهـ [ زاد المسير ج: 6 ص: 478 ] ، وفي الجلالين : (والعمل الصالح يرفعه : يقبله ) [تفسير الجلالين ج: 1 ص: 572 ] ، وقال الألوسي : (وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو إستعارة بتشبيه القبول بالصعود ) أهـ [ روح المعاني ج: 22 ص: 174 ] ،

(  7  ) حل اشكالية الدليل الخامس :  التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه , كما في قوله تعالى : {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [ النساء : 158 ]  , وقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ] ، والمعنى في الآيتين : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، قال القرطبي - ولله دره - : (بل رفعه الله إليه   ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 6 ص: 10 ] ، وقال الواحدي : (بل رفعه الله إليه   أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعا إليه لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد ) أهـ [ تفسير الواحدي ج: 1 ص: 301 ] ، وفي تفسير الثعالبي : (وقوله تعالى   بل رفعه الله إليه   يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ) أهـ [ تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 431 ] ، وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله : (وأتبعها بقوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه ) [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 46 ] ،

(  8  ) حل اشكالية الدليل السادس :  التصريح بالعلو ، كما في قوله  تعالى:{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] , وقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، وقوله تعالى : { سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ،  ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام ، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، وأنّه أعلى مسافة منه ،   وكذلك قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها : ((  ونادَى أبو سفيان فقال ( اعْلُ هُبَل ) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم ( الله أعلَى وأَجَلُّ ) )) ، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة ، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة ، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية ، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم ، لأنّه الملك الآمر الناهي ، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية ، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة ،  وعلى هذ   ا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم ، قال القرطبي في تفسيره : ( ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ

(  9  ) حل اشكالية الدليل السابع :  التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وقوله تعالى :  {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [ غافر : 2  ] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )) ، ولما أخرجه النسائي والحاكم من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (( أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة  ثم  قرأ : { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء :  105،  106] ، ثم تتابع نزول جبريل عليه السلام به من بيت العزة في السماء الأولى إلى الأرض منجماً في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، وحاجات الناس ، لقوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 193 إلى 195 ] ، وقوله تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء : 106 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،

(  10  ) حل اشكالية الدليل الثامن :  التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , وقوله تعالى : {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[  الأنبياء : 19 ] ، المراد من العندية في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ }  ، وقوله تعالى : { وَمَنْ عِنْدَهُ } ، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، قال القرطبي : (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره  لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل  لأنهم رسل الله كما يقال  عند الخليفة جيش كثير وقيل  هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 7 ص: 356 ] ، وقال رحمه الله : (قوله : { إن الذين   عند ربك } ، و { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ، و { إن الله لمع المحسنين } ونحو ذلك كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لا إلى المكان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 10 ص: 312 ] ، وقال أبو السعود : (إن الذين   عند ربك   وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا ) أهـ [ تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 310 ] ، وقال الشوكاني : (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال : { عند ربك } ، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) [ فتح القدير ج: 2 ص: 281 ] ( تنبيه ) : القصد من قوله : ( والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ) : أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء ، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود ، وقال النسفي : (أن الذين   عند ربك   مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ) أهـ [تفسير النسفي ج: 2 ص: 53 ] ، وقال : ( { فان استكبروا فالذين عند ربك } أي الملائكة : { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } لا يملون .. وعند ربك عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة ) أهـ [  تفسير النسفي ج: 4 ص: 91 ] ، وقال الألوسي : (قوله تعالى  إن الذين   عند ربك   وقوله سبحانه  حكاية ابن لي عندك بيتا وقوله تعالى  وإن الله لمع المحسنين إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان ) أهـ [ روح المعاني ج: 15 ص: 142 ] ، وقال ابن الجوزي فقيه الحنابلة ، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب : (الحديث الخامس والأربعون : روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ((  لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي ، وفي لفظ سبقت )) ، قال القاضي - يقصد به أبو يعلى - : ظاهر قوله عنده القرب من الذات ، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام ، وقد قال سبحانه وتعالي " مسومة عند ربك " ) أهـ [ الباز الأشهب ص130-131 ] ، وقال القاضي ابن جماعة - وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب - : ( الآية الخامسة قوله تعالى : { إن الذين عند ربك } ، { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ، { عند مليك مقتدر } ، { ابن لي عندك بيتا في الجنة} ، {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } ، { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله : (( أنا عند ظن عبدي بي )) ، (( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي )) ، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف ، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع ) أهـ [ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 112 ] ،

(  11  ) حل اشكالية الدليل التاسع :  التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على نعنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث ، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي ، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء , تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ  ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ، وقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف ، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء : أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء ( أي العلو ) مكانته وقدرته وسلطانه ، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام ، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى ،  وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره ، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله ، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها نمن صفات العجز والنقص ، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه ، قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، وقال القرطبي - في درة من تنزيهاته - : ( تقديره  :  أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض ، وقيل  هو إشارة إلى الملائكة وقيل  إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب ، قلت  : ويحتمل أن يكون المعنى  أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء والمور  الاضطراب بالذهاب والمجيء .. وقال المحققون  أمنتم من فوق السماء كقوله  فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالممارسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير وقيل  معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى  ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال  فلان على العراق والحجاز أي واليها وأميرها والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ) أهـ [ تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215 ، 216 ] ، وقال العلامة ابن الجوزي - وهو يرد على حشوية الحنابلة : ( ومن الآيات قوله تعالي : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قلت : وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها ، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف ، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ) أهـ [الباز الأشهب المنتفض على ص5