المقال الأسبوعي الأول (أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام)


الأربعاء, 04 تشرين1/أكتوير 2017 21:58 كتبه  الشيخ مجدى محمد على
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا المقال : أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام ، أقول وبالله التوفيق :

أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام

[ 1 ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، هذا المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، والمسلم هو كما عرفه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، وفي حق هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،

[ 2 ] المسلمون جميعا أمة واحدة من دون الأمم الأصل بينهم هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم ، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين ، قال تعالى : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  فالأصل هو الوحدة وحدة المسلمين جميعا في أرض الله كلها ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، فبعد أمر الله عز وجل للمؤمنين بتقواه حق تقاته وأن لا يموتوا إلاّ على الاسلام أمرهم بعد ذلك بالوحدة والجماعة { واعتصموا بحبل الله جميعا }ونهاهم عن الفرقة والاختلاف { ولا تفرقوا } ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، يأمر الله جل وعلا المسلمين بإقامة الدين وعدم التفرق فيه ووضح لهم أن ذلك هو شرعه الذي وصى به أولى العزم من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، تأمر الآية بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتحذر من التنازع الذي يؤول إلى الفشل ، وبه تتفرق أمه الاسلام إلى فرق وأحزاب متناحرة لا ريح لها ولا قوة ، فتستأسد عليها الأمم الكافرة ، كما هو حاصل اليوم ، التنازع والاختلاف فيما بينهم أدى إلى الفشل والضعف وذهاب الهيبة والقوة ، وقال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، يشير المولى عز وجل في هذه الآية إلى وجوب موالاة المسلمين بعضهم بعضا لاسيما وأن الذين كفروا يوالي بعضهم بعضا في حرب الاسلام وأهله بالتنسيق فيما بينهم فهم على دين الاسلام وجربه أولياء ، فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير الذي لا قبل للمسلمين به ولا بمواجهة أخطاره  فكيف بنا إذا تنازع المؤمنون فيما بينهم وأصبحت اتجاهاتهم مختلفة وقلوبهم شتى فلاشك أن الخطب أعظم مما نتصور والخطر أقرب مما نظن ، وقال تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ التوبة : 71 ] : يوضح الله عز وجل في هذه الآية صفة من صفات الايمان الاّ وهى موالاة المؤمنين بعضهم بعضا ، ولاشك أن تحقق الموالاة بين المؤمنين يكون في ظل الألفة والمحبة والولاء العام لكل المؤمنين ، ولاشك أيضا في أن الفرقة والاختلاف بين القيادات في العمل الجماعي الاسلامي ينافي كمال الموالاة بين المؤمنين مبين العاملين لدين الله عز وجل ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، يأمر المولى جل وعلا المؤمنين العاملين لدين الله بالتعاون فيما بينهم على البر والتقوى وينهاهم عن التعاون على الاثم والعدوان ، وتآلف الصف العامل لدين الله تعالى وتعاونه على البر والتقوى هو تحقيق لتلك الفريضة : فريضة التعاون على البر والتقوى ، ونجاة من الفرقة والتعدد والاختلاف لأنّ ذلك كله إنّما هو من الاثم والعدوان ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] : يأمر المولى عز وجل المسلمين بإصلاح ذات بينهم ويعد القائم الساعي إلى ذات بين المسلمين بالأجر العظيم ، وقال تعالى :   { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء : 114 ] ، هذا أجر من أصلح بين الناس ، فما بالنا بمن سعى للإصلاح بين طوائف المسلمين وفرقهم ، ولعلنا نلحظ اهتمام القرآن الكريم الشديد بإصلاح ذات البين حتى مع أقل وحدة في بناء جسد الامة الاسلامية والمجتمع المسلم الا وهي الأسرة وبين الزوج والزوجة قال تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا } ، وإذا كان المولى عز وجل قد تكفل بفضله وكرمه بإصلاح ما بين الرجل وزوجه والتوفيق ، بينهما إن قصدا الاصلاح وخلصت نياتهما لله عز وجل بذلك فمن الاحرى ومن باب الاولى السعي للإصلاح بين طوائف المسلمين وفرقهم ، وقال تعالى { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] ، والخطاب هنا عام لأمة الإسلام لأنها أمة القتال والجهاد من أجل نصرة دين الله تعالى ، والله عز وجل يحب لأهل الإسلام أن يعملوا له صفا واحدا لا اختلاف بينهم ولا تنازع ولا فرقة ولا شقاق بل يشد بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [ الأنفال : 60 ] ، يأمر الله عز وجل بالإعداد من أجل إرهاب اعداء الله اعداء المسلمين  ، إعداد أقصي قوة مستطاعة من الناحية المعنوية ومن الناحية المادية ولا شك في أنه وحدة أهل الإسلام وتكاملهم وتآلفهم وتعاونهم هو من عداد القوة المعنوية لما فيه من إتمام صفات الولاء وهى صفة الايمان وهو أعظم اعداد معنوي ، وهو كذلك من الوحدة المادية لأنه توحيد للجهود والقوى المبعثرة والاتحاد قوة والفرقة ضعف قال تعالي { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } فالتفرق والتنازع والشقاق ضعف وأي ضعف ، لذا وجب على المسلمين أن يوحدوا صفهم ويصلحوا ذات بينهم لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والقضاء على الفرقة واجب شرعي أيضا لأن الفرقة نقيض القوة ونقيض الاعداد ، قال تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا } ، وقال تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } ، لقد بلغ حرص القرآن الكريم على وحده المسلمين مبلغا عظيما  ، فإذا حدث نزاع وقتال بين طائفتين من المؤمنين فقد وجب على جميع المؤمنين السعي في الاصلاح بينهما ، فإن مالت إحداهما على الأخرى بالظلم والبغي والعدوان وجب على الجميع الوقوف إلى جانب الحق وقتال الباغية الظالمة حتى ترجع إلى حكم وشرعه والرضا بالمصالحة العادلة مع الطائفة الاخرى  ، ثم بين الحق عز وجل بعد هذه الآية الاولى إخوة المؤمنين وأنهم ينبغي أن يبادروا سريعا إلى إصلاح ذات بينهم وليتقوا الله في ذلك فإنه الطريق إلى رحمة الله  ، قال تعالى : { ولايزالون مختلفين إلاّ من رحم الله } ، فالرحمة مع الوحدة والاتفاق واجتماع الكلمة والتعاون على البر والتقوى ، إن أراد المسلمون النصر على اعدائهم فلا مناص لهم من وحدة صفوفهم ، لأنّ أعداء المسلمين كثيرون ، منهم من نعلمهم ، ومنهم من لا نعلمهم ، ولابد من الإعداد لمواجهة مكائدهم  ،  قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ  } [ الأنفال : 60 ]  ، وأقوى الإعداد الوحدة والوفاق بين المسلمين ، إنّ أهم ما يؤهل المسلمين لمواجهة أعدائهم هو وفاقهم وتآلفهم ،

[ 3 ] إن الوحدة الإسلامية فريضة وضرورة  : قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [ الأنعام: 159 ]، وقال تعالى : {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [ الروم: 31- 32 ] ، فالتفريق بين المؤمنين سبيل الشيطان: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} [ المائدة: 91 ]، وهو سبيل أعداء الأمة المتربصين بها من الداخل والخارج، فمِن الداخل يجتهد المنافقون في إثارة العَداء والفرقة بين المؤمنين حتى لو كان ذلك من خلال لافتات برَّاقة خدَّاعة تشقُّ الصفوف، وتوقِع الفساد فيها.. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [ التوبة: 107 ]،  لقد رسخ الإسلام هذه الأخوَّة : قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [ الحجرات: 10 ]، وأقرَّ للمسلم في عنُق أخيه حقوقًا : قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ، ح ( 2699 ) ] ، هذه هي الأخلاق التي ينبغي أن تسود بين المسلمين ،

[ 4 ] نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام ،  نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد ، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة : (( شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه )) ، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة ، العدو المشترك لها واحد ، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء ، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر ، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة ، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد ، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر  ))  [ متفق عليه ] ، فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ،  تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، إنّ عوامل الوحدة والتكامل بين صفوف الأمة الإسلامية أكثر من أن نعددها ، وهي أصول الدين وأسسه وتكفي لبناء أعظم أمة وأقوى وحدة ، ومن ذلك :

[ 4 ]  العامل الاول من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة دينها واحد هو الإسلام ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  } ، وقد تفضل اللّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في ‏الفروع ، قال اللّه تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا } ، وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللّه تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق ‏تقاته، ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا } ، ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ،

[ 5 ]  العامل الثاني من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة إلهها واحد وربها واحد ومعبودها واحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  } ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  } ، والمسلمون جميعاً يؤمنون باللَّه الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد ، ويقدسونه وينزهونه وينفون عنه الشبيه والند والمثيل ، والصاحبة والوالد والولد ،  {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،

 [ 6 ]  العامل الثالث من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة رسولها واحد ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : والمسلمون جميعاً يؤمنون به رسولاً ونبياً أرسله اللَّه تعالى، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي من بعده ، وهو صاحب الشفاعة يوم الدين ، معصوم عن الخطأ في تبليغ رسالة ربه ، وقد بلَّغ ما أمر به بلاغاً تاماً ، قال تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  } ، وقال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } ،

[ 7 ]  العامل الرابع من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة قرآنها واحد ، القرآن الكريم : وهو كتاب اللَّه تعالى المنزل على محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  بواسطة جبريل عليه السلام ، بلسان عربي مبين ، المتعبد بتلاوته، المحفوظ من التحريف والتبديل ، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس، الموجود بين دفتي المصحف وصلنا متواتراً كما أُنزل على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ،،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،  قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، والمسلمون جميعاً على الإيمان بذلك كله ،

[ 8 ]  العامل الخامس من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة قبلتها واحدة : وهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، وتسمى البيت الحرام، فالمسلمون جميعاً يتوجهون إليها في صلاتهم عملاً بقول اللَّه تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ، وهي أول بيت وضع للناس ، قال تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً، وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين  } ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ،

[ 9 ]  العامل السادس من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة جميعا عندها شهادة الانتساب إلى الدين واحدة : وهي ، ( شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه ) ، ويجب النطق بها للدخول في الإسلام لمن لم يكن مسلماً ،  والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر ، على أنها أصل الدين وبابه الاوحد ، ومتفقون على أنه لا يجزئ عنها شيء سواها ، ومتفقون على أنه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ كان من أهل الجنة ،

[ 10 ] العامل السابع من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : أمة الإسلام جميعهم متفقون على أركان الإيمان ، من إيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر ، و متفقون على أركان الإسلام ، وأركان الإسلام عندهم واحدة ، إنها شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا من المسلمون ، وبحمد الله الأمة عباداتها واحدة ، ( الصلاة ) ، فلا خلاف حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها ولا حول ركوعها وسجودها وبقية أركانها ، ب- والصيام ، في شهر رمضان حيث يجمع المسلمون على صيام نهاره طيلة أيامه ، ج-  والزكاة، وهي النصيب الذي فرضه اللَّه للفقراء في أموال الأغنياء ، يتفق عليه جميع المسلمين ، والنصاب واحد عند جميع الفرق والمذاهب الإسلامية ، د- والحج، يجتمع المسلمون – كل المسلمين – في زمان واحد هو أشهر الحج ، وفي مكان واحد مكة المكرمة بزي واحد لأداء مناسك واحدة ،

[ 11 ] العامل الثامن من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة جميعا لها مصادر تشريع واحدة ، تتمثل في طاعة الله ورسوله ، قال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، لقد توافرت للأمة الإسلامية ‏ وحدة التشريع، بما حفظه اللّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وحتى المصادر الأخرى الاجتهادية ، فهي متقاربة ، والحلال في شرع الإسلام بين ، والحرام‏ بين ، والفرائض معلومة والواجبات معروفة  ، والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من المسلمين ،

[ 12 ] العامل التاسع من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة جميعا  لها انتماء واحد ، هو أنها أمة الإسلام ، ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  والمسلمون، في أنحاء العالم ، من جميع الاجناس والألوان واللغات ، ينتمون لأمة واحدة ، دينها واحد وعقيدتها واحدة ، صهر الإسلام الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية ، ذات التاريخ الواحد، والرابطة الواحدة ، قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللّه لعلكم ترحمون }  ، و قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، 

[ 13 ] العامل العاشر من عوامل الالتقاء بين الفرق الإسلامية : الأمة جميعا  أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، قال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، الذين كفروا يوالي بعضهم بعضا في حرب الاسلام وأهله بالتنسيق فيما بينهم فهم على دين الاسلام وجربه أولياء ،  والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والكفر ملة واحدة ، والكفار يوالى بعضهم بعضا على المسلمين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى : {  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة : 120 ] ، ولهذا نهى الله تعالى الأمة عن موالاة هؤلاء ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ، وقال تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ]  فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير ، والأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، ولابد من الوحدة والتكامل من اجل مواجهة أخطاره ، إذن هذه عشرة عوامل تشكل إطار الوحدة ، ونقاط الالتقاء والتفاهم بين جميع الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية ، والعناصر التي تشكل عامل فرقة وانقسام إنما تطال الفروع لا الأصول ،  و المشكلة تكمن في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، مع أن تلك الخلافات ليست خلافات في الجوهر والأصول : وإنما هي خلافات في الجزئيات‏ والفروع ، ودائرة الخلاف فيها تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد محمودا، فان‏ التعصب المقيت ، والتورط في التكفير هو طامة الامة ، ومشكلة الأمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ))   [ أخرجه مسلم ] ، إذن الخوف على الأمة يتمثل في الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء بين المسلمين ، فيقع التكفير والسيف بينهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ،  إن الوحدة المطلوبة بين المسلمين اليوم لابد وان تأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية : ( الأمر الأول ) وحدة الأمة الإيمانية على أصول الإسلام ، فالمسلمون جميعاً ضمن إطار الإسلام ، يحافظون على لحمة الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، ( الأمر الثاني ) : الولاء العام لأهل الإسلام ، ولا بديل عن الولاء العام لكل المسلمين من دون الكافرين ، لأنّ أعداء المسلمين هم أهل الكفر جميعا وقد تكالبوا على المسلمين من كل صوب  ، ( الأمر الثالث ) تقنين الخلاف في الأمة ، والتمسك بالثوابت ، أما ثوابت الدين وأصوله فهي معصومة ومحفوظة ، وإنما غالب الخلل ناشئ من الفهم البشري الخاطئ لنصوص الدين ، فيحدث الخلاف ، ولابد من تقنين الخلاف ، ولابد من معرفة الضوابط الشرعية السديدة للتكفير بين صفوف الأمة ، ولابد من معرفة الضوابط الشرعية السديدة للتبديع بين صفوف الامة ، ولابد من معرفة قواعد الشريعة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، ولابد من معرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، ولابد من تقنين الخلاف بين طوائف الامة ،

[ 14 ]  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ،

[ 15 ]  من مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي الإسلام في معاملة الفرق المسلمة التي ضلت الطريق في بعض جوانب الدين : ( أ ) الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، ولا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بلازم قوله ، ولا ببدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، واهل البدع وإن كانوا على ضلالة ، فإنها دون الكفر وهم من أمة الإسلام ، وهم داخلون في الاصطفاء العام ، الوارد في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ( ب ) افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : وقوله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ] ، ليس المراد منه ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ، ( ت ) أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وسيأتي بيانها وبيان أصول الضلال فيها ، ومع ذلك : يجب أن يعم الإخاء والولاء بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،  ( ث ) خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ، ( ج ) لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  ( ح ) وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، ولن ينجي هذه الأمة من المحنة التي تمر بها حاليا سوى التآخي والتواد والتكافل والولاء العام لكل المسلمين ،

[ 16 ]  أحكام فقهية تتعلق بالمبتدع : ( أ ) ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ،

( ب ) ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( ت ) ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( ث ) ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،  ( ج ) (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( ح ) ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن ,  ( خ ) ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , ( د ) (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، ( ذ ) (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع ,  ( ر ) ( مسألة الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( ز ) ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ،  ( س ) ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق ,  كان هذا ما تيسر في بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ، إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، سبحان ربك عما يصفون ،  وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

عدد الزيارات 71 آخر تعديل على الأربعاء, 04 تشرين1/أكتوير 2017 22:03

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا