المقال الأسبوعي الثاني ( قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم )


الأربعاء, 04 تشرين1/أكتوير 2017 22:03 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المقال الأسبوعي الثاني

قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا المقال : أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم ( دمه وماله وعرضه ) ، أقول وبالله التوفيق :

[ القاعدة الأولى ] : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وفي رواية أخرى عند مسلم : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[ القاعدة الثانية ] : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر  رضي الله عنه: (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة ، فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[ القاعدة الثالثة ] : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ القاعدة الرابعة ] : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ القاعدة الخامسة ] : العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، لقد جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، من أهمها العذر بالجهل ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,

[ القاعدة السادسة ] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ،  وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه  قال ( لا إله إلاّ الله ) ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ،  ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل ، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة ، وأدلة أخرى منها : ( أ ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم ، ( ب )  عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله ، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره  ، ( ت )  عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة  ،

[ القاعدة السابعة ] : لا يجوز التكفير بلازم المذهب :  فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً ، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ،  فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم ، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين ، ومن استحل المحرمات كفر ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم ،

[ القاعدة الثامنة ] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،   

[ القاعدة التاسعة ] : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[ القاعدة العاشرة ] : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، سبحان ربك عما يصفون ،  وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

عدد الزيارات 68

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا