المقال الأسبوعي الثالث ( الوحدة الإسلامية وقواعد تقنين الخلاف بين المسلمين )


الأربعاء, 04 تشرين1/أكتوير 2017 22:04 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المقال الأسبوعي الثالث

الوحدة الإسلامية وقواعد تقنين الخلاف بين المسلمين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذه المقال : أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، أقول وبالله التوفيق : 

[ 1 ] : الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }   ، هذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وبينت انهم كافرون حقا ، لا مراء في كفرهم لجحدهم نبوة النبي ورسالته ، وإذا تعلقت بأهل الكتاب فهي في حق غيرهم أولى ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  المسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء ، لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وجميعهم مآلهم  إلى رضوان الله تعالى وجنته ، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار  ، لكونهم مسلمون ، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم ، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، وهذا المسلم ، لا يخرج من الإسلام  بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 3 ] : المسلمون – كل المسلمين - أمة واحدة من دون الأمم ، هم – وحدهم - المؤمنون بالله ورسوله ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[  4  ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ،

[   ] المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[   ] المسلم : كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ،

[  4  ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ 5 ] : أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  6  ] : خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،

[   ] لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  7  ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ 8 ] : وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، والرحمة لا تكون إلا مع الوفاق ، لقوله تعالى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ، 119 ] ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] : فإصلاح ذات بين المسلمين من شروط الإيمان  ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) [ أخرجه أبو داوود والترمذي وقال حديث صحيح ] ، ففساد ذات بين المسلمين يحلق الدين لما يورثه من البغضاء والتحاسد والتباغض ، إذن لا بديل عن وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ،

[   ] الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ، 

[   ] قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[  ] لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ،

[   ]  ينبغي طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[    ] يجب أن لا تنزل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وبعد فتلك بعض قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، فإذا أضفنا إليها ، قواعد الشريعة العامة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، وضوابط للتكفير بين صفوف الأمة ، والهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، يمتنع الغلو في التكفير ، ويتقنن الخلاف في إطار الحوار ، بعيدا عن استحلال الدماء والأموال والأعراض ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهم ، وَاهْدِهم سُبُلَ السَّلَامِ ، يا رب العالمين ، إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، سبحان ربك عما يصفون ،  وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

 

 

 

 

عدد الزيارات 34

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا